ارتفع عدد الأيتام في قطاع غزة بشكل ملحوظ بعد العدوان الإسرائيلي الأخير، وبات نحو ألفي طفل أيتاماً بحسب إحصائية لوزارة الشؤون الاجتماعية تزامنت مع اليوم العالمي لأيتام الحروب، مؤكدة أنهم يعانون من أمراض نفسية تحتاج لعلاج طويل الأمد.

أحمد عبد العال-غزة

لم تصدق الطفلات الثلاث عائشة وهبة وخديجة الشنباري أنهن نجون من الموت بأعجوبة عندما كنّ برفقة أمهاتهن في مدرسة الإيواء التي لجأت إليها الأسرة بعدما دمر الاحتلال الإسرائيلي منزلها في بيت حانون شمال قطاع غزة.

الطفلات الثلاث أخوات "غير شقيقات" فقدن والدهن قبل ثلاثة أعوام في حادث سير، والتحقن بمعهد الأمل لرعاية الأيتام، وخلال العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة اعتقدت الوالد أن منزلهن قد يكون أكثر أمنا من المعهد، إلا أن صواريخ الاحتلال استهدفت المنزل شمالي القطاع مما اضطر الأسرة للجوء إلى إحدى المدارس.

وفي مدرسة الإيواء، كانت الأخوات الثلاث على موعد مع فاجعة أخرى، فاستشهدت أم الشقيقتين هبة (9 أعوام) وعائشة (8 أعوام)، كما استشهدت أم أختهن من أبيهن، وأصيب اثنان من إخوتهن الذكور.

وبعدما استعادت تفاصيل تلك اللحظات المفجعة، وبصوت خافت وعينين دامعتين، قالت الطفلة هبة "في ذلك اليوم كنا بمدرسة أبو حسين قبل أن تخبرنا اللجنة الدولية للصليب الأحمر بضرورة مغادرة المدرسة لأنها معرضة للقصف".

الأخوات الثلاث أصبحن يتيمات بعد الحرب وعايشن مشاهد صعبة (الجزيرة نت)

تيتم
وتضيف هبة للجزيرة نت "تجمعت العوائل اللاجئة داخل باحة المدرسة، وكنت مع أختيّ عائشة وخديجة على بعد أمتار من الحافلة التي ستنقلنا، قبل أن نشعر بدوي انفجارات هائلة ناتجة عن قصف الطائرات الحربية الإسرائيلية للمدرسة".

وقصفت طائرات الاحتلال مدرسة أبو حسين التابعة لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) شمال قطاع غزة، والتي كان يحتمي بداخلها مئات النازحين، مما أدى إلى استشهاد 15 مواطناً -بينهم نساء وأطفال- وإصابة عدد آخر.

وبعد الحرب الإسرائيلية عادت الصغيرات الثلاث إلى معهد الأمل للأيتام وقد أصبحن يتيمات الأب والأم.

وتعتبر الصغيرات أن معهد الأيتام هو بيتهن الثاني، مشيرات إلى أن المشرفات في المعهد يتعاملن معهن برقة وحنان، ومثل أمهاتهن.

من جهتها، قالت رئيسة قسم الإيواء رويدة كساب إن تأثير الحرب ما زال موجوداً على البنات الصغار، وبصعوبة بالغة تم إخراجهن من أجواء القتل والدمار ومشاهد الدماء التي عايشنها لحظة استشهاد أقربائهن.

رويدة كساب أكدت أن الأيتام
يشعرون بأنهم في بيوتهم (الجزيرة نت)

دعم نفسي
وأضافت رويدة للجزيرة نت أن برامج الدعم النفسي لهؤلاء الأطفال لم تتوقف منذ انتهاء الحرب بهدف تقليل تأثير الحرب عليهم، إلا أن الأطفال يخشون عودة الحرب كلما سمعوا صوت انفجار أو سمعوا في الأخبار عن حرب أو تصعيد.

رئيس مجلس إدارة معهد الأمل للأيتام عبد الماجد الخضري قال إن الحرب على غزة التي استمرت 51 يوماً، خلفت ما يزيد عن 1680 يتيما، غير الإصابات والشهداء من الأيتام أنفسهم.

ويقوم المعهد على رعاية 200 يتيم، 90 منهم فقدوا ذويهم في الحرب الأخيرة. ويصادف السادس من يناير/كانون الثاني من كل عام، اليوم العالمي لأيتام الحروب.

ويضيف الخضري للجزيرة نت "نحاول الارتقاء بالأيتام على كافة الأصعدة، وننفذ برامج للدعم النفسي للأيتام تشعر اليتيم بأنه في بيت أهله وأكثر من ذلك، حتى لا يشعر بعقدة النقص بفقدان أهله".

ولفت إلى أنهم واجهوا صعوبة كبيرة بعد الحرب الأخيرة على غزة في مواجهة آثارها النفسية، فالمشاهد التي عايشها الأيتام قاسية جداً ولا يمكن نسيانها بسهولة، ورغم ذلك فإن برامج الدعم النفسي مستمرة إلى أن تحقق أهدافها وتخرج الأيتام من هذه الأجواء.

أما المختص في الإرشاد النفسي علاء الربعي فقال إن أسوأ درجات الصدمة النفسية تكون لأولئك الصغار الذين فقدوا أحد ذويهم أمام أعينهم أو فقدوا أحد الأبوين أو كليهما، وذلك يؤدي إلى مشاكل وآثار عميقة تتنوع بين المشكلات النفسية والآثار الجسدية.

الخضري: نحاول الارتقاء بالأيتام
وننفذ لهم برامج للدعم النفسي (الجزيرة نت)

صدمات وتبعات
وأشار الربعي في حديث للجزيرة نت إلى أن الحرب تؤدي إلى الاضطرابات السلوكية مثل القلق والخوف من المجهول والميل إلى العدوانية والعنف خاصة لدى الأطفال الذكور، فضلا عن فقدان السلام والأمن النفسي خصوصا مع شعور الطفل بفقدان السند ومن يستمع لهم أو يتفهمهم كأقرانهم الطبيعيين، فيسعى للبحث عمن يلتصق به.

وقد يعاني الطفل -وفق الربعي- من قلق الانفصال، بل قد تتطور المشكلة لديه لتصبح فزعا أو نوعا من الفوبيا من أشياء محيطة أو أصوات معينة مما يرتبط لديه بذاكرة الأحداث الأليمة التي مر بها سابقا.

كما تسبب الحرب في "أعراض انسحابية" مثل التبول اللاإرادي ومص الأصبع والتلعثم أثناء الحديث وقضم الأظافر، كما يقول المختص النفسي.

ورأى الربعي أنه يجب توفير الجو الملائم الذي يشبع الطفل اليتيم فيه ميوله واهتماماته، وممارسة الأنشطة المثمرة والترفيهية، إضافة إلى تشكيل مساندة اجتماعية من العائلة الكبيرة أو ذوي القرابة والانخراط في الجو التعليمي الذي يجذب الطفل اليتيم إلى الاهتمام بالمذاكرة.

المصدر : الجزيرة