قد تكون الحروب التي تصيب المدنيين في مدنهم ومحال سكنهم بيئة خصبة لترجمة مقولة "الحاجة أم الاختراع"، وحال أهالي دير الزور (شرق سوريا) ليس استثناء عن القاعدة، فقد دفعتهم حاجتهم للمياه لابتكار أساليب وطرق عملية تضمن لهم تدفقا سلسا ودائما.

ياسر العيسى-دير الزور

بعد أكثر من عامين ونصف العام من قصف قوات النظام السوري المستمر على مدينة دير الزور (شرق البلاد)، يسود الدمار القسم الأكبر من البنية التحتية للمدينة، وانقطع عنها ترياق الحياة، الماء.

بدأت المشكلة مع بداية الثورة السورية عام 2011، ولكنها اشتدت في الشهور الأخيرة، حيث يعاني عدد من أحياء المدينة من انقطاع طويل لمياه الشرب.  

ونتيجة للنقص الشديد في مياه الشرب، اضطر السكان إلى البحث عن مصادر بديلة تؤمن لهم حاجتهم من المياه العذبة.

ومن الطرق التي ابتكرها أهل المدينة مدّ خراطيم للمياه من الأحياء التي لا زالت تتمتع بتدفق المياه عبر الشبكات النظامية إلى الأحياء التي تشكو من قلة المياه وانقطاعها بشكل مستمر، وهذا يعني خراطيم مياه بطول مئات الأمتار.

من جهة أخرى، لجأ بعض سكان المدينة إلى الحفر أمام منازلهم للوصول إلى الأنبوب الرئيسي للمياه، أو الأنابيب القديمة واستخراج المياه منها عبر تركيب مضخات كهربائية.

نقص المياه دفع السكان لاستخدام مياه الأنهار رغم التحذيرات من المخاطر الصحية (الجزيرة)

الوجه الآخر
ورغم صعوبة ومشقة هذه الطرق في الحصول على المياه مقارنة بالحق الطبيعي لأي مواطن في أي بلد بالحصول على المياه النظيفة من صنبور منزله، فإن لكل مصيبة وجها آخر، حيث أصبح الحصول على المياه وتأمينها عملا من أعمال التكافل الاجتماعي في مدينة دير الزور، ويساعد الناس بعضهم بعضا في تأمين المياه، هذا بالإضافة إلى أن هذا المجال أوجد فرص عمل جديدة لم تكن متاحة من قبل.

كما أن وصول المياه بشكل متقطع وانقطاعها المفاجئ دون سابق إنذار، جعل السكان يفقدون ثقتهم في الشبكة النظامية للمياه.

ويؤكد محمد السراوي -أحد سكان حي الشيخ ياسين في دير الزور- أن غياب المياه لأشهر أحيانا، دفعهم للتفكير في حلول دائمة، من بينها مدّ خراطيم المياه أو الأنابيب المعدنية، والبعض منها تم تمديده من قبل المجلس المحلي قبل سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية، ويتم الانتفاع من بقاياه حاليا.

ويضيف السراوي "البعض من جيراني وضع خزانات مياه لتعبئتها بشكل شبه يومي من الأحياء التي توجد فيها المياه، ومن ثم تفريغها في منزله عبر مضخة مياه كهربائية وأنابيب بلاستيكية".

وأوضح السراوي أن الوضع الجديد أوجد مهنا جديدة، منها تعبئة المياه عبر الخزانات المتواجدة في السيارات وبأجور زهيدة مراعاة لظروف السكان في هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها المدينة والبلاد بشكل عام.

جبهات القتال
الحرب والمواجهات المسلحة بين الأطراف المتقاتلة هي السبب الرئيسي حاليا في انقطاع الخدمات والمياه بشكل خاص، وأصبح تدفق الخدمات والمياه مرهونا بحدة القتال ومدى حدة المواجهات بين الأطراف المتحاربة.

ويقول علاء -أحد سكان حي العرضي بدير الزور، وهو ناشط إعلامي- إن أغلب الأعطال تكون عادة في مناطق الاشتباك، خاصة في حي الرشدية، الأمر الذي يؤثر على بقية الأحياء الأخرى.

ويوضح علاء أن عودة الخدمات والمياه لا تتم إلا عند اتفاق الأطراف المتصارعة، وهي تنظيم الدولة والنظام السوري حاليا والجبهة والجيش الحر والنظام سابقا.

ورغم تردد أنباء عن وجود محطة تصفية معطلة قد يجري تشغيلها مستقبلا، فإن علاء يقول صراحة إن السكان لا يثقون في هذه الوعود التي يسمعونها منذ أشهر عدة، وحتى في حال تحقيق تلك الوعود فإن السكان لا يثقون أيضا في استمراريتها، حيث يمكن أن يقصفها النظام في أية لحظة.

قصف النظام السوري دمر البنية التحتية لمدينة دير الزور (الجزيرة)

مخاوف
ويقلّل علاء من مخاوف سكان المدينة حول إمكانية قطع المياه عن المحطة الوحيدة التي تغذي المدينة حاليا، خاصة أنها تتواجد في مناطق تخضع لقوات النظام.

ويقول علاء في هذا الصدد إن "هذا الأمر مستبعد تماما، لأن الكهرباء والطاقة والوقود تأتي عبر حقل التيم الخاضع بدوره لسيطرة تنظيم الدولة، وبالتالي يخشى النظام من ردة الفعل".

ومن المخاطر الصحية الناجمة عن أزمة المياه في دير الزور، لجوء السكان إلى استخدام مياه غير نظيفة وغير معقمة بشكل مناسب، الأمر الذي قد يؤدي إلى إصابات مرضية هم في غنى عنها.

ويقول معاذ الطلب -عضو سابق بالمجلس المحلي- إنه تم تمديد شبكات مياه سطحية من الأحياء التي لم تنقطع عنها المياه عبر المجلس المحلي في وقت سابق، وإن الحلول الأخرى تمثلت في تعبئة المياه عبر الصهاريج بشكل مباشر من النهر للأحياء الواقعة على خطوط التماس المباشر، لكن بعض السكان يشرب منها رغم تحذيرات المجلس المحلي عن مخاطر ذلك.

وحول ما آلت إليه حال الصهاريج الآن، يؤكد الطلب بأنها أصبحت تحت تصرف تنظيم الدولة، حيث أوقفت دخولها المدينة أيضا صيانة محطة حويجة صكر التي كانت قد وصلت إلى المراحل الأخيرة.

وكشف الطلب عن وجود تفاهمات مع الهلال الأحمر بشأن إصلاح شبكات المياه على خطوط التماس، لكن جميعها توقفت بعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على دير الزور.

المصدر : الجزيرة