مرّ أسبوع على رفض إسرائيل تحويل أموال المقاصة للفلسطينيين عقابا لهم على سعيهم للانضمام لمعاهدة روما، ورغم أن قطع تلك الأموال يعني حرمان آلاف الموظفين الحكوميين الفلسطينيين من تسلم رواتبهم، فإن أغلبهم يدعمون السلطة في مسعاها باعتبارها قضية وطن.

ميرفت صادق-رام الله

يعمل أحمد أبو النور (30 عاما) سائقا بوزارة المالية الفلسطينية في رام الله، ومع إعلان الحكومة الإسرائيلية احتجاز عائدات الضرائب الفلسطينية، يبدي قلقا كبيرا من احتمال عدم تلقيه راتبه هذا الشهر.

ويحصل أبو النور على راتب مقداره 2400 شيكل (حوالي ستمائة دولار أميركي) وهو أب لأربعة أطفال، ويصنف نفسه ضمن فئة الموظفين أصحاب الأجور المتدنية، وبالتالي ستكون التبعات المالية المحتملة لوقف إسرائيل تحويل العائدات الفلسطينية للسلطة أثقل عليه من غيره.

جدير بالذكر أن العائدات الفلسطينية التي تحولها إسرائيل تغطي نسبة كبيرة من رواتب موظفي السلطة الفلسطينية.

وكانت حكومة إسرائيل قد قررت السبت تجميد نصف مليار شيكل (نحو 127 مليون دولار) من أموال الضرائب التي تجبيها نيابة عن الفلسطينيين وفق الاتفاقيات الموقعة بين الطرفين، وذلك لمعاقبة القيادة الفلسطينية على توقيعها طلب الانضمام لمعاهدة روما الممهدة لعضوية المحكمة الجنائية الدولية.

يقول أبو النور إن غالبية الموظفين يدعمون مساعي السلطة في التوجه للأمم المتحدة، ولكنهم في الوقت ذاته يريدون مقومات للصمود في وجه العقوبات التي قد يواجهها الفلسطينيون نتيجة هذا التوجه. 

أما رائد صافي (الموظف بوزارة الاقتصاد الفلسطينية) وهو من سكان مخيم الجلزون للاجئين ويعول خمسة أفراد، فيقول إن الجميع سيتأثر باحتجاز أموال السلطة "ولكن يجب علينا التحمل لأن المسألة مرتبطة بحقوقنا الوطنية". 

ورغم القلق والجدل الذي يسود الشارع الفلسطيني، فإن خبراء ومصادر رسمية فلسطينية رفيعة بدت غير مفرطة في التشاؤم حيال الدخول في أزمة على خلفية احتجاز أموال الضرائب بسبب عدم النظر بجدية للقرار الإسرائيلي بهذا الخصوص. 

وفي هذا السياق، تلتزم الحكومة الفلسطينية في رام الله الصمت حيال جدية قرار حجز أموال الضرائب. رغم حلول موعد رواتب موظفي القطاع العام دون صرفها. وقالت مصادر بالحكومة للجزيرة نت "ما زلنا ضمن الموعد الشهري لصرف الرواتب" دون الإفصاح عن إمكانية تأخيرها بسبب احتجاز الأموال. 

وأكدت مصادر مسؤولة -للجزيرة نت- أن وزارة المالية الفلسطينية لم تتلق أي قرار إسرائيلي مكتوب أو رسمي بوقف تحويل عائدات الضرائب رغم تأخر هذا التحويل قرابة أسبوع عن موعده المعتاد. 

نتنياهو يستخدم التشدد مع الفلسطينيين
كورقة انتخابية
 (رويترز)

ورقة انتخابية
ورجح الخبير الاقتصادي الفلسطيني نصر عبد الكريم ألا يستمر حجز مستحقات السلطة المالية طويلا، ليس فقط بسبب الضغوط الدولية، كما قالت وسائل الإعلام الإسرائيلية، ولكن أيضا "لأن تماسك السلطة ليست مصلحة فلسطينية فقط ولكن مصلحة لإسرائيل وللأميركيين على حد سواء". 

وقال عبد الكريم إن من الصعب التصور أن إسرائيل ستكون معنية بانهيار أو شلل السلطة، لأن هذا يفتح الباب على مصراعيه أمام احتمالات تصاعد مواجهة الفلسطينيين للاحتلال الإسرائيلي. 

ويعتقد الخبير الفلسطيني أن القرار الإسرائيلي يأتي في سياق ردة الفعل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في محاولة لاستثمار معاقبة الفلسطينيين لتوجههم إلى الأمم المتحدة، كورقة في معركته الانتخابية. 

ويقول عبد الكريم إن نتنياهو قد يتمكن من احتجاز هذه الأموال لبعض الوقت، لكن لا يمكنه الاستمرار في حجزها طويلا لأن هذه الأموال ليست منحة من إسرائيل ولكنها حق للفلسطينيين ضمن اتفاق باريس الاقتصادي، ولا يوجد مسوغ قانوني أو اقتصادي لحجزها. 

ويبلغ حجم إيرادات المقاصة، وهي أموال الجمارك والرسوم والضرائب التي تجبيها إسرائيل نيابة عن الفلسطينيين على البضائع والسلع الواردة أو الصادرة من وإلى فلسطين عبر الحدود الدولية، أكثر من 140 مليون دولار تسلم للسلطة نهاية كل شهر تقريبا. وكان من المتوقع أن تُسلّم دفعتها الأخيرة في الثلاثين من ديسمبر/كانون الأول الماضي، لكن إسرائيل لم تحولها. 

ويغطي هذا الرقم 75% من فاتورة الرواتب لما يزيد على 170 ألف موظف حكومي، كما يغطي حوالي 40% من مجموع الموازنة الجارية. ويشكل نحو ثلثي إيرادات السلطة (مجموعها نحو 220 مليون دولار شهريا).

السلطة الفلسطينية اعتبرت الخطة الإسرائيلية سرقة لأموال الشعب الفلسطيني (الجزيرة)

سرقة
ويقول الخبير عبد الكريم "بدون هذا المبلغ لن يتوفر لدى الخزينة الفلسطينية سيولة كافية لدفع نصف الراتب، ولن يكون بمقدورها إلا دفع ثلث الراتب وبعض النفقات الجارية".

ويعبر المتحدث عن اعتقاده بأن الخيار الوحيد أمام الفلسطينيين في هذه الحالة هو اللجوء إلى تفعيل شبكة الأمان العربية التي تعهدت في قمم عربية سابقة بضخ مائة مليون دولار شهريا إلى خزينة السلطة. 

وعلى المستوى السياسي الفلسطيني، اعتبرت السلطة الفلسطينية القرار الإسرائيلي سرقة للأموال الفلسطينية، وقال رئيس دارة شؤون المفاوضات صائب عريقات "لن نخضع لهذا القرار".

وقال المتحدث باسم حركة فتح أسامة القواسمي إن الفلسطينيين "لن يقايضوا الخبز بالحرية والاستقلال". وتابع قائلا إن إسرائيل تحاول ابتزاز القيادة الفلسطينية لثنيها عن الذهاب للمنظمات الدولية "ولكن هذه السياسة لا تجدي نفعا مع الشعب الفلسطيني، وسنستمر في معركتنا القانونية بالتوجه إلى المحاكم الدولية".

وأضاف القواسمي "نحن نراهن على حقنا القانوني والطبيعي في إقامة دولتنا الفلسطينية وعلى تكاتف شعبنا في الأزمات، وعلى أمتنا العربية خاصة، مع التعهد العربي بتوفير شبكة أمان مالية للفلسطينيين في حال تعرضوا لعقوبات ردا على توجههم للمنظمات الدولية". 

وتابع أن السلطة ستلجأ إلى تصعيد المقاومة الشعبية في وجه إسرائيل، والذهاب مرة تلو الأخرى إلى مجلس الأمن لوضع المجتمع الدولي عند مسؤولياته بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي.

المصدر : الجزيرة