سعوديون وخليجيون يعبرون عن وجهات نظرهم بحجم القرارات والتغييرات الجوهرية في المملكة، ورؤى تتفاوت بين إعادة للأمور إلى نصابها وضبط الإيقاع للحراك المجتمعي المضطرب، وأخرى لا ترى تغييرا جديا في الأنظمة الملكية، وأن ما جرى تبادل للعصور الذهبية بين النخب.

هيا السهلي-الدمام

لم تكن القرارات الملكية التي أصدرها العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزير بعد توليه الحكم بأسبوع مفاجأة للشارع السعودي، إذ كان متوقعا صدور قرارات جديدة، ولكن المفاجأة التي عبّر عنها الرأي العام السعودي كانت في حجم القرارات والتغيير الجوهري.

وكان الملك سلمان أصدر مساء الخميس الماضي 34 أمرا ملكيا، نص أبرزها على تغيير مدير الاستخبارات ورئيس مجلس الأمن القومي، وتعيين وزراء جدد وإلغاء أكثر من 12 مجلسا وجهازا في الدولة، وإعفاء أميري منطقتي الرياض ومكة المكرمة -وهما ابنا الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز- من منصبيهما.

مستقبل السعودية
وأمر الملك بإنشاء مجلسين، الأول هو مجلس الشؤون السياسية والأمنية برئاسة ولي ولي العهد الأمير محمد بن نايف، والثاني مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية برئاسة نجله الأمير محمد بن سلمان وزير الدفاع.

أصداء تلك القرارات أخذت بعدا محليا وخليجيا، وقرأها المراقبون السعوديون والخليجيون بأشكال مختلفة خاصة ما يتعلق بمستقبل السعودية وتأثيرها على سياستها الداخلية والخارجية.

وكانت أبرز الآراء قد وصفت التشكيل الوزاري الجديد بأنه حكومة ثقة، وأن إنشاء المجلسين هو تفعيل للمجلس الوزاري وجعله السلطة التشريعية والتنفيذية للدولة.

التركي: الأنظمة الملكية لا تشهد تحولات جذرية (الجزيرة نت)

الإيقاع السياسي
ورأى مراقبون أن التشكيل سيضبط الإيقاع السياسي وفق رؤى إستراتيجية، ويحد من القرارات الفردية ويعيد السعودية إلى المسار المفترض، كما يعيد بناء الروابط المجتمعية التي خلخلتها التصنيفات والمزايدات على الولاءات للوطن.

وفي المقابل يرى آخرون أنه لم يطرأ تغيير جدي في الأنظمة الملكية، وأن النخب المتضادة تتبادل فيها عصورها الذهبية.

من جهته، قال الدكتور ماجد التركي رئيس مركز الإعلام والدراسات العربية الروسية إن القرارات جاءت "لإعادة الأمور إلى نصابها"، معتبرا أن القضايا الإقليمية أشغلت الداخل السعودي، وصرفت الكثير من الجهد والطاقة على حساب المصلحة الوطنية.

الإيقاع العام
كما أشار إلى أن القرارات الملكية تعطي مؤشرات على أن الدولة تسعى إلى ضبط الإيقاع العام للحراك المجتمعي المضطرب، بما في ذلك الهرج والتشكيك وفقدان الثقة بين المواطن والمسؤول.

وبينما تحدثت آراء سعودية كثيرة عن أن القرارات كانت بمثابة تغييرات جوهرية غير مسبوقة، رأى التركي أن الأنظمة الملكية لا تشهد تحولات جذرية، بل إن تركيبتها البنيوية لا تقبل مثل هذه التغييرات ولا تستجيب لها، خلافا للدول التي تحكم من خلال أحزاب ذات توجهات متباينة.

ورأى التركي أيضا أن عهد الملك عبد الله شهد من التغييرات أكثر مما شهدته فترات حكم من سبقه من ملوك السعودية.

غير أن التركي لا يفضّل النظر إلى هذه القرارات على أنها موجهة ضد اتجاه معين، أو أن تكون انتصارا لفئة معينة.

ويرى أن السعودية خاضت في السنوات العشر الماضية تجارب عديدة في معالجة الأمور والملفات المهمة، مثل الإرهاب والتطرف الفكري والانحلال الفكري، وأن بعض تلك التجارب سارت بالمجتمع خارج السياق الطبيعي الذي قام عليه، وقد تم بناء الروابط الدينية والولاء السياسي، والبنية الفكرية والمجتمعية للمجتمع السعودي.

عبد الخالق: الملك سلمان سيحرص على طي صفحة الخلافات مع واشنطن (الجزيرة نت)

السلفية والليبرالية
وفي سياق آخر، رأى الدكتور عبد الخالق عبد الله أستاذ العلوم السياسية في دولة الإمارات العربية المتحدة، أن القرارات التي أُعلن عنها في أقل من 48 ساعة بشكل سريع وحاسم تشير إلى أن التغيير يطال الكثير من السياسات في عهد الملك عبد الله.

وقال "قيّد الملك الراحل التيار السلفي المتشدد في الداخل وأطلق العنان للتيار الليبرالي الذي انتعش وعاش عصره الذهبي خلال السنوات العشر الأخيرة".

غير أن عبد الله توقع أن يكون سلمان أكثر حرصا على طي صفحة الخلافات بشأن القضايا الإقليمية وتحقيق أكبر قدر من الانسجام مع واشنطن، والعودة إلى العصر الذهبي في العلاقات السعودية الأميركية.

دماء جديدة
وبين الرأيين يرى عبد الله العذبة رئيس تحرير صحيفة العرب القطرية أن الملك سلمان "تأثر بحنكة الملك فهد بن عبد العزيز، وأنه قام بعملية الهيكلة في ذات التوجه بعيدا عن الحسابات الشخصية"، وقال "لعله كان واضحا في القرارات الملكية ضخ دماء قيادات جديدة وشابة من خبرات القطاع الخاص".

وتابع العذبة أن القرارات الملكية تأتي ضمن عملية إعادة هيكلة الدولة والدفع بالجيل الثاني لينهض بها من خلال الأميرين محمد بن نايف ومحمد بن سلمان.

وتوقع العذبة أن ينعكس تشكيل المجلسين إيجابا على الداخل وعلى السياسة الخارجية، متوقعا سياسة سعودية جديدة تجاه اليمن لمواجهة خطر الحوثيين وداعميه، وذلك في إشارة منه إلى أن كل الأجهزة الأمنية بما فيها المخابرات باتت تحت قبضة الأمير محمد بن نايف.

ورأى الأكاديمي والإعلامي الدكتور سعود المصيبيح أن "التشكيل الوزاري الجديد في السعودية اعتمد على الكفاءات التي أثبتت نجاحا ونضجا بالاعتماد على الشباب والاستفادة من قدرات القطاع الخاص".

وأشار إلى أن إلغاء المجالس القديمة وإنشاء مجلسين بديلين شكل قوة لأجهزة الدولة في تسيير شؤونها.

المصدر : الجزيرة