استقلال القضاء أصبح من أهم القضايا الجدلية في مصر بعد ثورة يناير، فبينما تجاهد السلطات المصرية في نفي التهمة عنها والتأكيد على استقلال قضائها، تثير الأحكام التي يصدرها القضاء المصري علامات استفهام لدى المختصين.

يوسف حسني-القاهرة

في أغسطس/آب من عام 2013، كانت سيارة ترحيلات تقل معتقلين من رافضي الانقلاب من قسم شرطة مصر الجديدة في العاصمة المصرية القاهرة إلى سجن أبي زعبل الواقع شمال المدينة، ولكن لم يصل جميع السجناء إلى زنازينهم حيث قتل 37 منهم اختناقا بقنابل الغاز المسيل للدموع.  

وفي الأيام الماضية، عادت القضية إلى دائرة الضوء بعد بث قناة "الشرق" الفضائية تسجيلا صوتيا لحوار بين مدير مكتب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اللواء عباس كامل ومساعد وزير الدفاع اللواء ممدوح شاهين يظهر طلب الأول من الثاني التدخل لدى القاضي الذي ينظر قضية سيارة الترحيلات لصالح أحد الضباط المتهمين الذي هو نجل اللواء عبد الفتاح حلمي.

تقول زوجة حسن الكردي، أحد القتلى في الحادث إن ذوي الضحايا يشعرون بأن محاكمة قاتلي ذويهم مجرد مسرحية، وأن التسريبات التي بثت مؤخرا أكدت أنه لا يوجد قضاء مستقل في مصر، وأن الرئيس عبد الفتاح السيسي يتحكم في القضاة.

ويؤكد ناجون من الحادث أن رجال الشرطة تعمدوا إطلاق الغاز على الضحايا وهم داخل السيارة مما أدى إلى موتهم اختناقا، إلا أن وزارة الداخلية المصرية ترفض هذا الادعاء وتقول إن ضباطها أطلقوا الغاز "دفاعا عن النفس".

وفي فبراير شباط المنصرم قضت محكمة جنح الخانكة بسجن نائب مأمور قسم شرطة مصر الجديدة 10 سنوات، وحبس 3 ضباط آخرين بالقسم سنة مع وقف التنفيذ، لاتهامهم بالتسبب في وفاة الضحايا الـ37، وإصابة آخرين. غير أن جميع المحكوم عليهم تمت تبرئتهم في الاستئناف في يونيو/حزيران الماضي.

آثار التعذيب على حسن الكردي، أحد ضحايا حادث سيارة الترحيلات (الجزيرة)

تناقض وتساؤلات
وقد فتح التسريب الأخير تساؤلات حول مدى تدخل المؤسسة العسكرية في القضاء. وأصبحت هذه القضية هاجسا لدى كثير من المصريين حيث مثل التسريب الأخير صدمة أخرى بعد سلسلة تسريبات سابقة احتوت على قضايا أثارت الرأي العام.

ويلاحظ المراقب لسير الأحداث، أن جميع المتورطين في قتل المتظاهرين والمحتجين منذ اندلاع ثورة يناير/كانون الثاني 2011 قد تمت تبرئتهم ولم يسجن منهم أحد، وذلك يشمل الرئيس المخلوع حسني مبارك ووزير داخليته اللواء حبيب العادلي وكبار مساعديه.

ومن الجانب الآخر، يواجه أكثر من 500 من معارضي السلطة الحالية حكما بالإعدام لاتهامهم بقتل نائب مأمور مركز مطاي بمحافظة المنيا جنوبا، وهو ما يعكس ميلا صارخا في ميزان العدالة المصرية إلى جانب السلطة، في رأي كثير من المراقبين.

وفي هذا السياق تقول زوجة مصطفى عبد السلام الذي قتل في سيارة الترحيلات، إن ميل القضاة للسلطة وتلقيهم الأوامر منها، جعلها تفقد الأمل في الحصول على حق زوجها وأن "التسريب الأخير يؤكد أن مصر ليست بها عدالة، ولا قضاء".

أما زوجة أحمد الكردي الذي قتل في الحادث أيضا، فترى أن التسريب الأخير "كشف أن مدير مكتب السيسي يتحكم في مصر والمصريين".

وتابعت تقول "حياة نجل الضابط الكبير، أهم عندهم من حياة 37 مواطنا، وراء كل واحد منهم حكاية وأسرة وأيتام يدعون على من قتل أباهم". لكنها رأت أيضا في التسريبات المتتابعة تآكلا للنظام، وحربا بين رجاله الذين قالت إنهم "يفضحون أنفسهم بأنفسهم".

وحول سير القضية قال جودة عزب محامي الضحايا إن القضية تم تجاهلها منذ عدة شهور، وأضاف "قدمنا تظلمات للنائب العام بناء على التسريبات الأخيرة، حتى يتم ضمها للتحقيقات الجديدة".

سليمان وصف التسريبات بأنها صادمة وتعني عدم استقلال القضاء (الجزيرة)

تسريبات صادمة
وتعليقا على حكم الاستئناف في القضية، يرى وزير العدل المصري السابق المستشار أحمد سليمان أن وقف تنفيذ حكم محكمة أول درجة "لم يكن مبررا، لأن العقوبة نفسها كانت مخففة، وهو ما لا يقبل بحال من الأحوال".

وقال سليمان "إن القاضي صنف الجريمة على أنها قتل خطأ، حرصا على مستقبل الضباط الثلاثة المتهمين، وتجاهل حقوق 37 بريئا، لقوا حتفهم بشكل مروع".

ووصف سليمان التسريب الأخير بأنه "صادم" وقال "رغم أن التسريب توقف عند حد وعد اللواء ممدوح شاهين بالتدخل، وهو أمر ربما لم يحدث، لكن مجرد الوعد بالتدخل لدى القاضي يعني عدم استقلال القضاء".

وخلص إلى أن التفتيش القضائي مطالب بفتح تحقيق في هذا التسريب، ومعاقبة من ثبت تورطه في إهدار العدالة. وشدد على ضرورة تغيير القانون الحالي الذي يحدد عقوبة من يتوسط لدى القاضي بالحبس ستة أشهر في الحد الأقصى، أما القاضي الذي يقبل الوساطة فالعقوبة تصل في بعض الأحوال إلى عزله من منصبه، والسجن المشدد 15 عاما، على حد قوله.

أما عضو حركة شباب من أجل الحرية والعدالة محمد عواد، فقد أكد للجزيرة نت أن المصريين يعلمون أن الشرطة هي التي قتلت ضحايا سيارة الترحيلات، وأن ادعاء انتماء الضحايا لجماعة الإخوان المسلمين لا ينفي أن ما وقع في حقهم جريمة. واعتبر أن تبرئة الضباط تمثل تحديا لثورة يناير ورسالة للضباط أن "استمروا في القتل، ولا تخافوا العقوبة".

أما أنصار النظام المصري الحالي، فلهم رأي آخر، مثل رئيس مركز الاتحادية لدراسات شؤون الرئاسة محمود إبراهيم الذي يرى أن الحديث عن التسريبات يعد ابتعادا عن قضايا أساسية وتسليطا للضوء على قضايا فرعية.

يقول إبراهيم "لا يوجد دليل على صحة التسريبات، ورغم ذلك يجب أن يكون الحديث عن إصلاح منظومة القضاء، وليس عن تدخل أحد المسؤولين لدى أحد القضاة".

وأشار إلى أن التسريب "لا يعني أن الحكم بتبرئة المتهمين في قضية سيارة الترحيلات جاء بناء على توصية، لأنه لا يوجد دليل على ذلك".

جدير بالذكر، أن محكمة النقض (أعلى درجات التقاضي) قد حددت 22 يناير/كانون الثاني الجاري موعدا لنظر الطعن المقدم من النيابة العامة على حكم محكمة الاستئناف ببراءة المتهمين.

المصدر : الجزيرة