في البصرة على ما يبدو لا مكان للحب ولا حتى لجسره، فهو في نظر البعض مفهوم لا يصح ولا يجوز، ويبدو أن الواقع المليء بالعنف يؤيد ذلك.

الجزيرة نت-البصرة

يؤكد حسين السعدي -وهو شاب من مدينة البصرة العراقية- أن جسر الحب لا يعني العشاق وحدهم، وإنما كان يعبّر عن حب الوطن، والتقدير "لشهداء العراق"، وشعارات عقائدية مختلفة، فضلا عن حب الأم والأب.

ويضيف أن الشباب وخلال افتتاحهم الجسر وضعوا أكبر قفل "لشهداء العراق"، ووضع غيرهم قفلا آخر كتبوا عليه "الوطن-العراق"، فجسر المحبة لم يكن مقتصراً على الحب بين الجنسين فقط.

ففي البصرة على ما يبدو، لا مكان للحب ولا حتى لجسره، فهو في نظر البعض مفهوم لا يصح ولا يجوز، ويبدو أن الواقع المليء بالعنف يؤيد ذلك.

جانب من الكتابات على جسر الحب (الجزيرة نت)

ولاية الفقيه
يقول الشاب علي السلمي إن مدينته تحتاج إلى جسر للحب يؤلف بين قلوب سكان المدينة التي غزاها الحقد والكراهية، ويذكر أن "هناك جهات بمدينته تحاول القضاء على إرث البصرة الثقافي والتاريخي وتبذل جهدا كبيرا في دفع البصرة نحو ولاية الفقيه التي يرفضها جميع الشباب".

ويضيف أن الفكرة مقتبسة من فرنسا ونقل صورها أحد الشباب الذين زاروا باريس، ولهذا اجتمع شباب البصرة وكونوا تجمعا صغيرا بعنوان "فريق المحبة" ليقيموا جسرا للحب في مدينتهم التي كانت ولا تزال مدينة كل الأطياف. وبعد حصول الموافقات الرسمية من الحكومة المحلية ومن دائرة البلدية، تم اختيار الجسر الحديدي الواقع على نهر متفرع من شط العرب الكبير قرب المستشفى التعليمي، ليكون رمزا للحب تعلق فيه الأقفال التي تعبر عن مدى الارتباط بين المحبين.

وافتتح الجسر في أكتوبر/تشرين الأول الماضي وشهد توافد السكان من كل الأعمار، وامتلأ سياج الجسر بالأقفال، بينما ازدان الحديد بالأسماء والقلوب، وكانت الفرحة لا توصف لكل أهل البصرة -يواصل السلمي- لكن جسر الحب لم يصمد إلا 16 يوماً حين قامت ما وصفها "بجماعة إسلامية متشددة" بتخريبه، وبدأت التهديدات تصل إلى بعض الشباب الذين قاموا بالتجربة.

صفاء جاسم: الجماعات المتطرفة بالبصرة بدأت تقلق لاندفاع الشباب نحو نشاطات مجتمعية تخدم الناس (الجزيرة نت)

التشدد والتنوير
ويذكر الشاب أحمد عبد السلام أن "تخريب جسر الحب بدأ أولاً بطلاء الأقفال بمادة سوداء، ومسح الأسماء المكتوبة عليها ورفع جزء من الشبكة التي وضعت على حافة الجسر لتعلق عليها الأقفال".

ويتابع أن الشباب أعادوا ما تم تخريبه كتحد كبير "للفكر الديني المتشدد -ومنهم جماعة عصائب أهل الحق- الذين هددوا الشباب وجماعة سمت نفسها "جماعة الشباب الرسالي" الذين رفعوا كل الأقفال ورموها في الشط، مهددين بقتل أي شخص يعيدها إلى مكانها بالقتل.

ويقول الباحث ياسر جاسم إن "بعض القيم المجتمعية التي تشير إلى الانفتاح المدني داخل المجتمع تغضب المتدينين وبالذات المتشددين دينيا، لأن قيم الحب والصفاء تلغي أدوار التطرف غير المبرر لقيادة الحياة"، مشددا على أن "احتفاءنا بجسر الحب يجب أن يستمر ونعززه بقيم أخرى، ولن تتوقف المعركة بين التشدد والتنوير، فهي مستمرة".

الصحفي صفاء جاسم يرى أن "الجماعات المتطرفة في البصرة بدأت تشعر بالقلق وهي ترى الشباب يندفعون إلى نشاطات مجتمعية تخدم الناس، وهذا يسحب البساط منهم، وهو ما يظهر واضحاً في المدينة التي لم تعرف التطرف منذ نشأتها، وهذا يؤكد أن مشاريع الشباب التي تدعو إلى المحبة والألفة والتسامح ستكبر رغم كل التحديات".

من جهته، يرى الشيخ علي البصرة أن ما يقوم به الشباب يعبر عن مدى حبهم لبعضهم ولمدينتهم، وهم يرون أن الخروج من الأزمة في العراق لا يمكن أن يكون إلا عبر أواصر الألفة والمحبة لتسير الحياة كما يجب، مشيرا إلى أن أي عمل لا يخرج عن الإطار الشرعي أو الإساءة للأشخاص أو الأديان الأخرى فإن الإسلام يشجع عليه.

المصدر : الجزيرة