يقال إن المرأة "نصف المجتمع"، وفي سوريا طبقت هذه المقولة بأبهى صورها، فالنساء السوريات كن نصف ثورة بلادهن، وشاركن بفعالية في كافة نشاطات الثورة من التظاهر السلمي مرورا بالدعم اللوجستي ونقل الطعام والسلاح وصولا إلى القتال في الجبهات الأمامية.

عمر أبو خليل-ريف اللاذقية

أم أحمد أو أم الثوار سيدة ستينية من ريف اللاذقية، فتحت منزلها لاستقبال الثوار والضباط المنشقين، أخفتهم عن أعين أمن النظام، وساعدتهم على نقل السلاح إلى نقاط الاشتباكات، وشدت أزرهم وشحذت هممهم.

تروي للجزيرة نت كيف كانت تجهز لهم الطعام وتفرش لهم كي يناموا، وتنتظر مع زوجها عودتهم، كي يسمعا منهم "أخبارا طيبة عن ضرب مفرزة أمن أو تحرير قرية جديدة، وكنت أمسح أسلحتهم وأضع بها الذخيرة تحضيرا لمعركة قادمة".

وأم أحمد التي لا تزال رغم كل الأزمات التي مرت بها الثورة السورية متيقنة من النصر تتذكر كيف كانت -رغم تقدمها في السن- تذهب مع نساء قريتها والقرى المجاورة إلى الجبهات للمشاركة في نقل الجرحى، وتزويد السلاح بالذخيرة، وتجهيز الطعام.

المرأة في ريف اللاذقية تقوم بكل أعمال الرجال (الجزيرة)

أيقونة الثورة
وأم أحمد إحدى سيدات ريف اللاذقية وسوريا اللواتي تحولن لـ"أيقونة الثورة"، فقد شاركن بكل نشاطات الثورة منذ انطلاقها، وقمن بكل الأعمال الثورية، حملن السلاح، وعملن ممرضات، وأوصلن الطعام للمقاتلين على الجبهات.

في بداية الثورة شاركت السيدات في المظاهرات السلمية وهتفن مع الشباب للحرية والعدالة، فاعتقل النظام المئات بينهن العشرات من جبلي الأكراد والتركمان، ولا يزال بعضهن في المعتقلات حتى الآن.

ومع بداية التحرك العسكري في الجبل تواجدت المرأة خلف المقاتلين، تخلي الجرحى وتضمدهم، تخبز على التنور بعد توقف الأفران عن العمل، وتجهز وجبات الطعام وتوصلها إلى الثوار على محاور القتال.

وذهبت النساء بريف اللاذقية إلى أكثر من الدعم اللوجستي، حيث بادرن إلى حمل السلاح، وشكلن لهذه الغاية كتيبتين، وتدربن على استخدام السلاح للدفاع عن النفس، وشاركن المقاتلين في معارك صغيرة.

ثمن باهظ
ودفعت النساء بالمنطقة ثمنا باهظا لقاء هذا الدعم العسكري واللوجستي للثوار، فمنهن من أصبحن أرامل أو زوجات لأزواج معتقلين أو معاقين نتيجة الإصابات في المعارك ضد النظام، وأخريات تحولن إلى معيلات للمنزل من خلال العمل في البساتين والحقول عوضا عن الرجال، وتوجهن إلى الغابات للاحتطاب.

أم محمود -جرح زوجها في إحدى المعارك- اختبرت هذه المعاناة، تقول إنها تترك طفلتها الصغيرة لتعمل ببستان التفاح، وتتابع "إنه مصدر رزقنا الوحيد، وعدتنا جهات رسمية ومنظمات مدنية بمعالجة زوجي ومساعدتنا ماليا خلال فترة علاجه، لا شيء من ذلك حصل".

وعاد ريف اللاذقية إلى العصور الوسطى بسبب قطع النظام الكهرباء والمياه والاتصالات عنه، وعجز مؤسسات المعارضة عن توفيرها، مما أرغم النساء على القيام بكل أعمال المنزل يدويا، واضطررن لنقل المياه على أكتافهن من الينابيع من مسافات طويلة.

سورية تحولت للتدريس بعدما التحق زوجها بالجيش الحر (الجزيرة)

وتقول مريم -سيدة من جبل الأكراد- إن النساء في ريف اللاذقية عدن لتنظيف الملابس يدويا لغياب الكهرباء، وتجهيز الخبز على التنور لتوقف الأفران، والطبخ على المدفأة بسبب غلاء الوقود والغاز المنزلي.

خدمة وتدريس
غير أنها تؤكد -في حديث للجزيرة نت- أن تأخر النظام في توصيل الكهرباء والمياه إلى ريفنا، وانشغالهن بأعمال المنزل لن يمنعا النساء من مساندة رجالهن وثورتهن، فنحن شعب "باق وصامد في أرضه".

ونظرا لانخراط الرجال والشباب المتعلمين في صفوف الجيش الحر وتفرغهم لقتال قوات النظام قامت المرأة في ريف اللاذقية بكل أعمال الرجال، وتحولت لتدريس التلاميذ في المدارس رغم عدم حصول أغلبهن على الشهادات العليا.

ومنهن من تطوعن للعمل في المنظمات الإغاثية والجمعيات المدنية، وشاركن في أعمال المجالس المحلية، والمشافي الميدانية، وكل ذلك خدمة للثورة والريف المظلوم، حسب وصفهن.

وترى المدرسة أم خالد أن المرأة حققت في عهد الثورة وجودا أكبر بكثير مما كانت تمثله في عهد النظام، ولكنها عبرت عن قلقها من تنامي الاعتراض على خروجها للعمل مع انتشار بعض الفصائل الإسلامية التي وصفتها بـ"المتشددة" في المنطقة.

المصدر : الجزيرة