نزحت أغلب عائلات حي جوبر الدمشقي إلى "عين ترما" بريف دمشق سعياً للأمان، وبعض العائلات أقامت ببيوت الأقارب والمعارف، وأخرى استأجرت بيوتاً أو سكنت في المخازن والمحال التجارية، لكن للجميع أمنية واحدة تتمثل في ممر آمن لترك البلاد والنجاة بحياتهم.

علاء الدين عرنوس-ريف دمشق

تجلس الأرملة السورية ناديا في شقة غير مكتملة البناء، تفتقر للخدمات، تنظر إلى طفلتيها اليتيمتين وتقول بغضب "من حقهما أن تعيشا بسلام، فكل ما أتمناه أن أهاجر خارج البلاد، وأنقذ هاتين الطفلتين".

وتقر ناديا (27 عاماً) -وهي أرملة من حي جوبر الدمشقي- أن جهودها فشلت في تأمين ممرٍ آمن تلوذ به مع ابنتيها من "وضع الحياة الميؤوس منها داخل سوريا".

ناديا كانت من بين عشرات العائلات التي نزحت إلى "عين ترما" بريف دمشق، لم يحالفها الحظ في إيجاد منزل آمن يأويها مع ابنتيها بأجرة معقولة، فأقامت داخل شقة غير مكتملة البناء منعدمة الخدمات بصورة مؤقتة بانتظار وسيلة تعينها على السفر خارج البلاد، وتشتكي في حديثها للجزيرة نت رحلة نزوحها التي تُعد عين ترما محطتها الثالثة بين مناطق دمشق.

معاناة النزوح
وتخلفت ناديا عن عملها كممرضة تخدير في مستشفى التوليد بالبرامكة إثر مقتل زوجها قبل سنتين في اشتباك قرب حاجز "مناشر عين ترما"، والتحقت بالفرق الطبية التابعة للمعارضة السورية منذ ذلك الوقت.

وباتت المعيل الوحيد لابنتيها، حيث تعتمد في دخلها على معالجة النساء ومساعدة الجمعيات الأهلية، وتقول إنها توقفت عن العمل منتصف العام الماضي بعد إصابتها بداء "التهاب الكبد الوبائي أ"، واستجابت لنصائح الأطباء بمغادرة البلاد للحصول على ظروف أفضل للعلاج.

بناء سكني بجوبر قصفته طائرات القوات النظامية (الجزيرة)

وشكّل عدم وجود الأقارب مشكلة كبيرة بالنسبة لناديا، حيث حاولت السفر للخارج هرباً من أعمال القصف وطلباً للعلاج، لكن وضعها القانوني بسبب الملاحقة الأمنية وعدم توفر المال منعا ذلك.

وتقول ناديا إنها كانت تعتقد أن النزوح خيار سهل، "ظننت أنني سأحمل حقائبي وأمسك بأيدي طفلتي ونمضي ببساطة حين يستدعي الأمر ذلك، عرض علينا أحد السائقين توصيلنا إلى لبنان بطريقة غير نظامية مقابل ألفي دولار، لو كنت أملك نصف هذا المبلغ ما كنت أنتظر كل هذا الوقت".

نداء ناديا كان لسان حال عائلات نازحة التقتها الجزيرة نت في أوقات سابقة، طالبت أطراف النزاع بضرورة فتح ممرات آمنة لخروج المدنيين من مناطق ريف دمشق.

وتؤكد ناديا وجود نساء أخريات يعشن ظروفاً مشابهة، ويقمن بأحياء ومناطق داخل دمشق وريفها تأوي نازحين.

لا معيل
أم ناصر -نازحة من مدينة داريّا- اعتمدت بشكل رئيسي على المساعدات المقدمة من الهلال الأحمر والجمعيات الأهلية، تعيش مع أطفالها الثلاثة في غرفة ضمن منزل في منطقة دير العشاير غرب دمشق.

قالت إن أصحاب المنزل وافقوا في البداية على سكنها دون مقابل، وبعد ثلاثة أشهر أصرت على تسديد أربعة آلاف ليرة شهرياً بعد أن وجد ابنها عملاً في مصنع للمشروبات الغازية بالديماس.

وتشير أم ناصر إلى أن المخابرات الجوية اعتقلت زوجها في مارس/آذار 2013 "من دون أي مبرر"، وعند سؤالها عن سن ولدها الذي يعيل الأسرة أجابت "أصبح رجلا الآن، يبلغ من العمر 16 سنة".

ومن بين تسع أسر نازحة، تحدثت إليها الجزيرة نت، فإن أسرة واحدة فقط تتمتع بدخل ثابت، بينما افتقرت ثلاث عائلات لمعيل بسبب اعتقال رب الأسرة أو مقتله أو سجنه.

وتتفشى ظاهرة البطالة بين أغلب الأسر النازحة، وعزا أغلب من التقتهم الجزيرة نت أسباب البطالة إلى اندلاع الأعمال القتالية في مناطقهم فضلاً عن التهديدات الأمنية التي تطالهم في مناطق سيطرة النظام.

المصدر : الجزيرة