بعد أن باتت "مكافحة الإرهاب" الشغل الشاغل لفرنسا هذه الأيام، يلفت سياسيون وخبراء فرنسيون نظر حكومة بلادهم إلى معاناة المهمشين والمحرومين بضواحي المدن معتبرين معالجة مظالم هؤلاء أهم من تشديد القبضة الأمنية.

  عبد الله العالي-باريس

بعد مرور نحو أسبوعين على الهجمات التي شهدتها العاصمة الفرنسية باريس وراح ضحيتها 17 شخصا أعلنت الحكومة، أمس الأربعاء، خطة قالت إنها "ترمي لتعزيز الوسائل البشرية والمادية المخصصة لمواجهة خطر الإرهاب". لكنها قوبلت بتشكيك سياسيين وخبراء في نجاحها وأكدوا في المقابل ضرورة معالجة "الحرمان والتهميش في الضواحي أولا".
 
واعتبر النائب الشيوعي فرانسوا أسانسي أن الخطة الأمنية "غير كافية" مضيفا أن "تعزيز قدرات الاستخبارات والجيش ومؤسسة السجون أمر مهم لمواجهة أعراض ظاهرة العنف" مشددا على أنه "لا بد أن يتم ذلك بالتوازي مع السعي لاستئصال جذور العلة".
أسانسي: لا قضاء على العنف دون إنهاء التهميش (الجزيرة)

عقود من التحذيرات
وقال أسانسي "إن التهميش الذي يعانيه سكان ضواحي كبريات المدن الفرنسي التي ترعرع فيها منفذو هجمات باريس خلق بيئة تفرخ الانحراف والعنف".

ودعا البرلماني سلطات بلاده إلى المبادرة باعتماد خطة للحد من البطالة التي تصل معدلات قياسية في تلك الأحياء التي تسكنها أغلبية من أبناء المهاجرين ذوي الأصول العربية والأفريقية.

وقال إنه يحذر منذ ثلاثين سنة من "مساوئ السياسات العامة التي أدت إلى ما يشبه عزلة اجتماعية وحضرية لأهالي الضواحي" مضيفا أن "الإقصاء خلق أجيالا من الشباب لا يشعرون بالانتماء للمجتمع ويحقدون عليه".

وقد أيدت هذا الطرح المحللة السياسية، روزلين فيفر، الخبيرة في شؤون السياسة المحلية، والتي رأت أن هجمات باريس كانت بمثابة "الصاعقة التي أحدثت يقظة مؤلمة على واقع الحيف والتهميش".

وقالت فيفر "النخب الحاكمة لديها شعور بالذنب لأنها غضت الطرف لعقود عن تركيب قنابل موقوتة على أطراف كبريات مدننا". وأكدت أن الإجراءات الأمنية التي أعلن عنها رئيس الوزراء مانويل فالس "لن تكون مجدية ما لم تصاحبها خطة تنموية ترمي لتجفيف منابع العنف والانحراف الاجتماعية".

فيفر: هجمات باريس أيقظت النخبة الفرنسية من سباتها (الجزيرة)

أولويات
أما أستاذ العلوم السياسية بجامعة باريس، خطار أبو دياب، فقال إن الخطة الأمنية الفرنسية تعكس قلق السلطات وخوفها من تكرار الهجمات الأخيرة.

وأضاف "نجاعة تلك الإجراءات تبقى مرتبطة بتعاون الشركاء الأجانب في مجال تبادل المعلومات وبمصير التدخلات العسكرية الفرنسية في أفريقيا والشرق الأوسط".

وكان رئيس الوزراء قد أعلن عقب انتهاء الاجتماع الأسبوعي للحكومة أمس أن بلاده ستعمد إلى "زيادة عدد قوات الأمن وتحديث عتادها لمراقبة الأشخاص الذي يشكلون خطرا على الأمن الداخلي وإحباط أي عمليات جديدة تستهدف البلاد".

وكشف فالس عن استحداث 2680 وظيفة خلال ثلاث سنوات، موضحا أن نصف هذا العدد سيكون من نصيب وزارة الداخلية ومختلف الأجهزة الاستخبارية التابعة لها.

وأضاف أنه تم "رصد 760 مليون يورو لتمويل مختلف جوانب الخطة الحكومية التي تتضمن زيادة عدد العاملين بالسجون المحلية وفي أقسام الجمارك المكلفة برصد "شبكات التمويل الإرهابية".

وأكد المسؤول الفرنسي أن جزءا من هذا المبلغ سيذهب لتحديث عتاد الأجهزة الأمنية التي ستوكل إليها مهمة مراقبة أكثر من 2500 شخص تعتبر السلطات أنهم يشكلون خطرا على الأمن القومي.

وكانت الرئاسة قد أعلنت، في وقت سابق، أن المجلس الأعلى للدفاع بقيادة الرئيس فرانسوا هولاند قد قرر الإبقاء على 7500 وظيفة بالجيش كان من المزمع إلغاؤها وعدم تقليص موازنة المؤسسة العسكرية. 

المصدر : الجزيرة