مرة أخرى يعود المنظور الأمني ليهيمن على المشهد الأردني، إذ اعتقلت الأجهزة الأمنية نشطاء سياسيين، بعد أسابيع من اعتقالها الرجل الثاني في جماعة الإخوان المسلمين. لكن الحكومة تنفي وجود معتقلين سياسيين بالأردن، وتصر على أن اعتقال النشطاء جاء لمخالفتهم القانون.

الجزيرة نت-عمّان

يتحدث ساسة ومعلقون أردنيون عن عودة جديدة "للقبضة الأمنية" بعد أن تراجعت خلال الربيع العربي لصالح المقاربة السياسية والانفتاح الرسمي على القوى والكيانات السياسية المختلفة.

ورغم وجود مؤشرات تشي بعودة المنظور الأمني إلى سيادة الموقف من جديد، تنفي الحكومة بشدة تراجعها عن الإصلاح ومحاربة الفساد واحترام الحقوق والحريات.

وشهد الأردن في الأيام القليلة الماضية اعتقالات جديدة طالت ناشطين سياسيين، لا سيما من المحسوبين على تيار المعارضة السياسية الأكبر في البلاد المتمثل بجماعة الإخوان المسلمين.

ومن أبرز المعتقلين الناشطين البارزين في الحراك الشبابي الإسلامي: ثابت عساف وباسم الروابدة.

وجاءت الاعتقالات بعد اتهام الناشطين بكتابة منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تتجاوز على القانون، وتسيء لرموز الحكم.

الرجل الثاني بجماعة الإخوان المسلمين زكي بني ارشيد يحاكم أمام محكمة أمن الدولة (الجزيرة نت)

أمن الدولة
وكانت الأجهزة الأمنية أوقفت على مدى الأسابيع الماضية العديد من القيادات والنشطاء السياسيين، وكان أبرزهم زكي بني ارشيد نائب المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين، الذي يحاكم حاليا أمام محكمة أمن الدولة التابعة للقضاء العسكري، بعد أن وجه انتقادات لاذعة لدولة الإمارات العربية.

كما اعتقلت الأجهزة الأمنية على مدى الأسابيع الماضية نشطاء سياسيين وعماليين كان من أبرزهم محمد السنيد وعدد من النشطاء، إضافة لاعتقالات طالت مهندسين وموظفين في النقابات المهنية.

ومقابل هذه الاعتقالات، تداعت كيانات وجماعات الحراك المتحالفة مع الإخوان لاجتماعات مطولة خلال اليومين الماضيين، وتعهدت بعودة الحراك الإصلاحي من جديد، وأعلنت عن مظاهرة وصفتها بالحاشدة قالت إنها ستنطلق يوم الجمعة المقبل من أمام المسجد الحسيني وسط عمّان، للمطالبة بالإصلاح ومحاربة الفساد وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين.

وردا على هذه الخطوة، قال مسؤول أردني بارز للجزيرة نت إن "أجهزة الدولة ستتعامل بحزم مع أي تجاوزات ضد القانون".

لكنه أردف أن الحكومة "ستحترم حرية التعبير وحق الناس بالتظاهر".

وفي السياق ذاته، قال سياسي مقرب من مطبخ القرار للجزيرة نت إن "ثمة تحولا لدى الحكم لصالح المعادلة الأمنية، لكنه لن يكون انقلابا فجا على المشهد الراهن".

واعتبر المصدر أن الاعتقالات الأخيرة "تأتي في سياق محاربة التطرف والإرهاب، والتجاوز على رموز الخطاب السياسي".

كلالدة: لا معتقلين سياسيين في الأردن
(الجزيرة نت)

تأزم العلاقة
ورأى أن عودة المنظور الأمني بهذا الشكل "هو تعبير إضافي جديد على تأزم العلاقة بين الدولة وجماعة الإخوان، وأن جملة المحاذير التي سقطت عقب انتفاضات الربيع العربي جعلت السلطة تتحلل من التزاماتها وتتعامل بشكل أكثر صرامة".

على الطرف الآخر، اتهم القيادي في جماعة الإخوان مراد العضايلة النظام الأردني بالتراجع عن كل وعود الإصلاح ومحاربة الفساد واحترام الحريات.

وقال للجزيرة نت "ثمة محاولة لإعادة الناس لما كانوا عليه قبل الربيع العربي (...) القبضة الأمنية اليوم تحكم كل تفاصيل المشهد، وتحاول أن ترفض أي محاولة لتجديد الحراك في الشارع".

وتابع "الاعتقالات الأخيرة كانت ردة فعل على اجتماعات عقدت بالفعل لإعادة إحياء الحراك، وتأكيد الحراكيين أن هنالك جولة جديدة في حال استمر النظام بإدارة الظهر لمطالب الناس".

لكن وزير التنمية السياسية خالد الكلالدة رفض اتهامات الإخوان بالعودة للمنظور الأمني، وقال للجزيرة نت إن "الحكم بالأردن ليس في نيته اللجوء مطلقا للمنظور الأمني".

ونفى الكلالدة وجود معتقلين سياسيين في الأردن، قائلا "التوقيف السياسي يعني أن يوضع المواطن رهن الاعتقال لدى جهاز أمني دون أن يعرض على القضاء، والذين يتم توقيفهم اليوم يحالون للمحاكم، وإذا لم يدانوا يطلق سراحهم".

وتابع "التصريحات والمواقف السياسية لا تودي بأي أردني إلى القضاء، والمؤكد أن هنالك قضايا أخرى تسببت باعتقال بعض النشطاء لا علم لي بها".

وأردف يقول "التوقيفات في مجملها مرتبطة بقانون منع الإرهاب".

أبو رمان: المنظور الأمني واضح في أغلب القرارات والسياسات والمواقف الرسمية (الجزيرة نت)

منظور أمني
وفي تحليل الموقف، اعتبر الباحث في مركز الدراسات الإستراتيجية بالجامعة الأردنية محمد أبو رمان - في حديثه للجزيرة نت- أن "ما تشهده البلاد اليوم من اعتقالات وتحويلات على القضاء العسكري لا ينفصل عن المنظور السياسي الجديد الذي باتت تتبناه مراكز القرار بعمّان".

وأضاف "هنالك محاولة لإعادة الجدال والنقاشات السياسية الداخلية إلى الحيز التقليدي ما قبل الربيع العربي، والواضح تماما أنه ومنذ التدهور الذي حدث لمسار الاحتجاجات السلمية بالمنطقة، عاد المنظور الأمني والتيار المحافظ ليتغلب على المنظور الإصلاحي".

وزاد "المنظور الأمني بات واضحا في أغلب القرارات والسياسات والمواقف الرسمية التي نشهدها حاليا".

وذهب أبو رمان إلى القول إن "الاعتقالات الأخيرة بحق النشطاء، وقبل ذلك اعتقال بني ارشيد، والتلميح بتحويل حراكيين كثر لمحكمة أمن الدولة؛ كل ذلك يؤكد أن السلطة بصدد العودة الكاملة للمنظور التقليدي الأمني وتغيير المنظومة الإصلاحية بشكل كامل".

المصدر : الجزيرة