تعرض قاض فلسطيني للنقل من منصبه من محكمة جزائية إلى محكمة تنفيذية مما يعني أن دوره سينحصر في تنفيذ الأحكام بدل إصدارها بعد حكمه ببطلان اتفاق أوسلو وجواز محاكمة حملة الهوية الإسرائيلية، فهل كان النقل صدفة؟

عوض الرجوب-رام الله

لم تقتصر ارتدادات قرار قاضي الصلح بمحكمة جنين أحمد الأشقر في الحادي عشر من الشهر الجاري ببطلان اتفاق أوسلو وجواز محاكمة حملة الهوية الإسرائيلية على مُصدره فقط، وإنما ألقت بظلالها على القضاء الفلسطيني عموما، وطرحت تساؤلات عن مدى التدخل في عمل هذا الجهاز.

فبعد أسبوع من إصدار القاضي الأشقر حكمه، تلقى بلاغا بنقله من العمل من قاض جزائي إلى قاضي تنفيذ في المحكمة نفسها، وهو ما يعني عدم قدرته على النظر في الدعاوى القضائية وإصدار الأحكام، مما فهم أنه عقاب له بسبب حكمه.

أما مجلس القضاء الأعلى فأكد بداية أنه لا يتدخل في قرارات القضاة، ثم أصدر بيانا لتوضيح ملابسات نقل القاضي، وقال إن الأمر تم لاعتبارات إدارية.

لكنه بهذا البيان وقع -حسب مختصين- في إشكالية أثبتت أن تحويل القاضي كان بسبب قراره القضائي، وهو ما ينعكس سلبا على ثقة الشارع في القضاء وعلى ثقة القضاة في أنفسهم.

وجاء في بيان مجلس القضاء أن تكليف الأشقر أن يكون قاضيا للتنفيذ في محكمة جنين جاء من قرار خطي من رئيس محكمته بناء على احتياجات العمل.

ورغم تأكيده على احترام قرار القاضي الأشقر، وأنه قرار قابل للطعن أمام محكمتي الاستئناف والنقض وأنه لا علاقة للنقل بالقرار، أضاف البيان أن اتفاق أوسلو ومحاكمة الإسرائيليين من عدمها "شأن سياسي تقرره القيادة الفلسطينية وليس أية جهة قضائية"، ليحدد بذلك موقفه من القرار.

بيان مجلس القضاء ربط بين نقل الأشقر وقراره بشأن اتفاق أوسلو (الجزيرة نت)

السياسة الرشيدة
الرئيس التنفيذي للمركز الفلسطيني لاستقلال المحاماة والقضاء "مساواة" إبراهيم البرغوثي انتقد بيان وموقف مجلس القضاء.

وقال إنه لم يكن ناجحا في التعبير عن السياسة الرشيدة للسلطة القضائية، وعكس عدم ثقة الإدارة القضائية في قضاتها.

وأضاف للجزيرة نت أن البيان عكس وجهة نظر السلطة التنفيذية، الأمر الذي يضر بالسلطة القضائية، مشددا على ضرورة الفصل بين السلطات لمنع التأثير على استقلال القضاء وثقة الجمهور به.

وعن تأثير موقف مجلس القضاء على ثقة الجمهور والقضاة معا، قال البرغوثي إن فيه رسالة تتعدى القاضي مُصدر الحكم لتوجه إلى كل القضاء، وهذا من شأنه التأثير على أحكامهم أو التدخل في عملهم القضائي.

وتابع أن في البيان تلويحا واضحا باستخدام صلاحيات إدارية للضغط على القضاة باتجاه حرمانهم من حرية الفصل في الأحكام استنادا إلى قناعتهم وضميرهم.

واستحضر مدير مركز "مساواة" تقريرا سابقا أصدره مركزه قبل نحو شهر أظهر أن القضاء في "خطر حقيقي وجدي"، محذرا من "انهيار كبير وانعدام الثقة"، وطالب السلطة القضائية بإعادة ترميم بيتها.

من جهته عبر أستاذ السياسة والشؤون العامة بجامعة بيرزيت عمار الدويك عن استغرابه لنقل القاضي الأشقر من موقعه، مضيفا أنه يفهم من بيان مجلس القضاء أن النقل تم بناء على قراره السابق بخصوص اتفاق أوسلو وبطلانه.

الدويك أكد أن الشارع فهم أن النقل سياسي لا قضائي (الجزيرة نت)

نقل تأديبي
وأضاف أن الشارع الفلسطيني ومن خلال مواقع التواصل الاجتماعي فهم الخطوة على أنها نقل تأديبي.

واعتبر أن بيان مجلس القضاء يحمل في طياته مشكلة أكبر من قرار نقل القاضي، "فالنقطة الرابعة في البيان تؤكد وثبت أن النقل جاء على خلفية القرار الذي اتخذه القاضي، وأنه قرار سياسي وليس قضائيا".

وأضاف أن مجلس القضاء لم يوفق في بيانه، وتلقاه المجتمع القانوني والرأي العام في الشارع ومواقع التواصل "بسلبية شديدة"، مشددا على أن الخطوة "لا تساعد في رفع ثقة المواطنين في القضاء الفلسطيني".

وأشار إلى ملاحظات على أداء القضاء الفلسطيني ومحاولات معالجتها، لكنه شدد على أن البيان الأخير يحمل رسالة للقضاة الشباب في درجات القضاء الدنيا بعدم الاجتهاد لاتخاذ القرارات "وتخويفهم بدل تشجيعهم".

يذكر أن المحامين الفلسطينيين كانوا قد قاموا في مناسبات سابقة باعتصامات واحتجاجات للمطالبة باستقلال القضاء في فلسطين.

المصدر : الجزيرة