لم يكن أكثر المتشائمين يتوقع أن يصل الحال ببنغازي -المدينة التي فتحت باب الثورة والمطالبة بالحرية لليبيين- إلى حد أن تطالب بالأمن والاستقرار ووقف الاقتتال، بعد أن وصل حالها إلى حد الحرمان من الخدمات الأساسية، ويتحول أهلها لغرباء بوطنهم.

الجزيرة نت-بنغازي

تصم أصوات الأسلحة والصواريخ والطائرات الحربية آذان سكان مدينة بنغازي الليبية عن الحوار الدائر في مدينة جنيف بين الأطراف المتنازعة، فهذه المدينة المنكوبة تئن تحت وطأة مآس إنسانية لا تحصى ولا تُعد.

فالصراع المسلح بين القوات التابعة للواء خليفة حفتر وقوات "مجلس شورى ثوار بنغازي" أدى إلى تدمير جزء كبير من المدينة لاسيما مؤسساتها الحيوية.

وكما يحدث في كل صراع مسلح، يدفع المدنيون الفاتورة الأعلى من استقرارهم، حيث تقول منظمات دولية ومحلية إن نحو 25 ألف أسرة هجرت المدينة، في حين انتقلت نحو 50 ألف عائلة للأحياء الأكثر أمنا.

وأخلى الهلال الأحمر الليبي مستشفيات عدة لوقوعها في مناطق الاشتباكات، من أبرزها مستشفى الجمهورية -الذي يُعد أحد أكبر مستشفيات المدينة- وكذلك مستشفى الهواري العام والسابع من أكتوبر.

عشرات أسطوانات الغاز تنتظر من يملؤها في ضواحي بنغازي (الجزيرة نت)

غياب الخدمات
وبعيدا عن مأساة المرضى، تعاني المدينة انقطاعا مستمرا للكهرباء نتيجة إصابة عدة دوائر ومحولات كهربائية بمناطق الاشتباك وتعذر دخول فرق الصيانة إليها.

وخلق انقطاع الكهرباء مشاكل في المستشفيات والمجمعات الصحية والمؤسسات المهمة التي تقدم خدماتها للمواطنين، ناهيك عن غياب غاز الطهي والمحروقات بالمدينة، مما أدى إلى معاناة من نوع آخر لإيجاد بدائل لهما.

ويرى سكان في المدينة أن هذه المأساة التي تعيشونها لا يشعر بها إلا أهلها بسبب تجاهلهم من السلطات المحلية لاسيما حكومة عبد الله الثني.

ويؤكد أحد أبناء المدينة الطالب الورفلي أن أهالي بنغازي يعانون من معيشة صعبة في ظل انعدام الخدمات الأساسية وتجاهل الحكومة التي من المفترض أن تقوم بواجباتها تجاه المدينة وخصوصا أنها أُعلنت مدينة منكوبة.

الورفلي وصف للجزيرة نت انقطاع الكهرباء لمدة طويلة تصل 18 ساعة في اليوم بالكارثة الحقيقية لا سيما وأن هناك حالات من المرضى والأطفال والشيوخ تحتاج إلى الكهرباء، مطالبا الجهات المختصة بضرورة النظر في أوضاع الأهالي وتخفيف المعاناة عنهم.

الاشتباكات المتواصلة ببنغازي تشل أوجه الحياة بالمدينة (الجزيرة نت)

وضع مأساوي
أما الفيتوري -موظف حكومي- فأوضح أن الوضع المعيشي للمواطن داخل بنغازي أصبح مأساويا، فالمواد الأساسية تتناقص يوما بعد يوم وتتزايد أسعارها في ظل إقفال المنافذ الحيوية للمدينة.

وأكد أن هذه الحرب -التي شنها اللواء حفتر- هي حرب عصابات وخارج إطار الشرعية، وأدت إلى تدمير مؤسسات الدولة وليس كما يزعمون بأنها ضد "الإرهاب".

أحد أعيان المدينة -الذي فضل عدم ذكر اسمه لدواع أمنية- أكد أن مشايخ وأعيان المدينة قاموا بمحاولات عديدة لرأب الصدع وتقريب وجهات النظر ووقف الاقتتال في المدينة، للحفاظ على أهلها وعلى نسيجها الاجتماعي الذي تعرض لشرخ كبير.

وطالب الجهات المتقاتلة بوقف الاشتباكات والاحتكام إلى لغة العقل من أجل سكان هذه المدينة الذين يعانون بشدة لاسيما في فصل الشتاء القارس، وفي ظل النقص الشديد للمواد الأساسية وتدني المستوى الطبي والخدماتي.

المصدر : الجزيرة