حوّلت الحملات الأمنية المتواصلة في سيناء الزيتون هناك من أشجار "تنبت بالدهن وصبغ للآكلين" إلى "إرهابيين" تباد معها أرزاق الزارعين، المغلوبين على أمرهم والذين لا يملكون إلا شكوى بلغت لدى بعضهم حد "الترحم" على أيام الاحتلال الإسرائيلي.

منى الزملوط-سيناء

في تفاصيل الحملات الأمنية التي تشنها القوات المصرية في سيناء باسم مكافحة "الإرهاب" تعدت "الشيطنة" البشر هناك لتمتد إلى الحجر وأخيرا الشجر، حيث يرى القائمون على تلك الحملة أن مزارع الزيتون في سيناء باتت بيئة حاضنة "للإرهابيين" ومن ثم فإنها تستحق الحرق والاقتلاع والإبادة.
 
ولا يدري أحد إذا كان القائمون على تلك الحملات يعرفون أو يجهلون أن أكثر من ثلثي أهالي شبه جزيرة سيناء ليس لهم مصدر للعيش غير محصول الزيتون السنوي، خصوصا أهالي مدينتي رفح المصرية والشيخ زويد وعدد كبير من قرى سيناء.

ووسط حطام أشجار الزيتون التي أتت عليها الحملات الأمنية، وقف المزارعون هناك وقد تحجر الدمع في عيونهم وهم يرون مصدر العيش الوحيد لهم وقد أصبح أثرا بعد عين.

أشجار يبلغ عمر بعضها خمسين عاما، وبعضها الآخر أكثر من ذلك كثيرا أو أقل، شهد بعضها تعاقب الأجيال والمراحل، بما فيها الاحتلال الإسرائيلي الذي يرى بعض الأهالي أنه "لم يقْدِم على تلك الجريمة".

وقع اقتلاع الأشجار كان بالغ الألم على الأهالي، ويسأل أحدهم في الشريط الحدودي مع غزة "أي ذنب اقترفته أشجار الزيتون هنا لتقتلع أو تجرف أو تحرق؟ وما نفع الوعود بالتعويض؟".

 أحد الأهالي يشكو: أشجار الزيتون في سيناء لم تنتهك حرمتها في وقت الاحتلال ولم تقتلع شجرة واحدة بحجة التخريب. إن تجريف الزيتون سياسة اتبعتها حكومة إسرائيل مع الشعب الفلسطيني أوقات الحروب

الاحتلال لم يفعلها
وعند معبر قرب معبر كرم أبو سالم التابع للإدارة الإسرائيلية، تحدث أحدهم للجزيرة نت رافضا ذكر اسمه فضلا عن تصويره قائلا "إن أشجار الزيتون في سيناء لم ينتهك حرمتها في وقت الاحتلال الإسرائيلي لسيناء ولم تقتلع شجرة واحدة بحجة التخريب, وتجريف الزيتون سياسة اتبعتها حكومة إسرائيل مع الشعب الفلسطيني أوقات الحروب, وهي أقصى عقوبة جماعية للقبائل البدوية".

وفي جنوب الشيخ زويد، أجمع من التقتهم الجزيرة نت على أن شجرة الزيتون في سيناء هي المصدر الأساسي لهم "وليس لنا مصدر آخر غيرها" كما قال أحدهم معتبرا أن "تجريف الجيش لهذه الأشجار ما هو إلا انتقام من أهل سيناء لعجز الأمن في فرض السيطرة على المنطقة".
 
في إحدى مزارع الزيتون بمنطقة الشيخ زويد، انهمكت إحدى السيدات في جمع ما تبقى من محصولها باستخدام العصي, وبجوارها طفلتها التي انتابها الصراخ بعد أن شاهدت الكاميرا، لكن الأم فسرت الحالة بقولها "إن الأطفال يعتقدون الكاميرا قنبلة ربما تتفجر, فهم أصبحوا منتظرين أي أشياء وأجسام غريبة تقع عليهم أي وقت".

قالت الأم للجزيرة نت إن زوجها معتقل منذ سبعة أشهر وحالته ليست الوحيدة بين رجال القرية "فمنهم من قتل ومنهم من اعتقل, وأنا أقوم بدور زوجي في جمع محصول الزيتون لأنفق على أطفالي".

رمز سيناء
وتضيف والألم يعتصرها "حملات الجيش جرفت متعمدة نصف الحقل، وخربت المحصول بالمرور بمدرعاتها ودباباتها فوق الأشجار دون الشعور بنا وبحالنا كنسوة فقدن أزواجهن وأصبحن يعيشن بمفردهن يواجهن التهجير والبحث عن لقمة العيش التي تعثر الحصول عليها".
 
وفي شكوى المغلوب على أمره تقول "تجريف الزيتون وإفساد المحاصيل ما هو إلا سبب واضح للتهجير من هذه القرى لأماكن أخرى، ولكن كيف نرحل ونترك ديارنا ونحن نعيش بدون رجال؟".

ويجمع من التقيناهم على القول "نفتقد اليوم محصولا كنا نعيش من خيره, فمنا من ينتظره كل عام ليزوج ابنه أو يبني بيتا, بخلاف زيت الزيتون الأساسي لعيشنا".

لكن الأكثر بلاغة من القول وحرقة من الشكوى هو مشاهد الركام لمزارع وأشجار الزيتون التي تم تجريفها ودهسها بالآليات الحربية الثقيلة لتلك الشجرة التي طالما ارتبط اسمها تاريخيا بسيناء.

المصدر : الجزيرة