العراق من البلدان التي عانت من حروب مستمرة ومتوالية بشكل لم يترك للمواطنين فرصة للتعافي من آثار التعرض للعنف ورؤية الدمار بالعين المجردة، وقد أدى ذلك بحسب متخصصين إلى انعكاسات نفسية والعيش تحت تأثير الصدمة بشكل مستمر.

علاء يوسف-بغداد

تبدو حياة العراقيين وكأنها تسير بإيقاع طبيعي لمن يشاهد حركة الناس في الشوارع والأسواق، لكن التدقيق في التفاصيل يكشف عن آثار كبيرة ومتعددة يتركها العنف اليومي الذي يضرب مختلف مفاصل الحياة في العراق منذ العام 2003 حتى الآن.

فالمواطن العراقي بات يرزح في أغلب الأحوال تحت تأثير الخوف من الانفجارات المفاجئة وعمليات الخطف، فضلا عن خليط عصابات إجرامية بأجندات مختلفة.

ولا يأمن العراقي على حياته وأسرته في أي مكان في البلاد، فإذا تأخر فرد من العائلة عن موعد عودته وتصادف أن هاتفه مغلق، سرعان ما يدخل الأهل والأقارب في حالة من الهلع لأن هذا يعني أنه قد يكون سقط بتفجير مفاجئ أو اعتقلته الأجهزة الأمنية أو قد يكون مختطفا عند عصابة أو مليشيا مسلحة، وجميع الاحتمالات واردة. باختصار، الأمر في العراق أصبح لا يتعدى أن يكون المرء في المكان الخطأ في الساعة الخطأ ليقع المحظور.

ونتيجة للعنف الذي يضرب البلاد، فقد تفرقت الكثير من الأسر العراقية بين من هاجر خارج البلاد أو غيّر مكان إقامته لمكان يظنه أكثر أمنا.

اقتصاديا -ونتيجة لهذا الوضع- خسر الكثيرون مصادر رزقهم أو وظائفهم، واجتماعيا ابتعد الكثيرون عن جيران وأصدقاء قضوا معهم حياتهم، وتعليميا أدت الهجرة والنزوح إلى ابتعاد الكثير من الطلبة عن المدارس.

ويقول أستاذ علم النفس السريري في كلية الآداب بجامعة بغداد الدكتور كمال الخيلاني إن العراقيين يعيشون مرحلتين في آن واحد، مرحلة الصدمة المستمرة جراء التعرض المباشر للعنف منذ سنوات، ومرحلة ما بعد الصدمة وهي التداعيات النفسية اللاحقة للتعرض المباشر للعنف.

وبيّن الخيلاني للجزيرة نت أن إحدى صور الآثار السلبية هي الميل للعنف لدى بعض المراهقين، إلا أن الخطورة الفعلية تكمن في تأثر الأطفال بمشاهد العنف التي يرونها بالحقيقة أو عبر وسائل التكنولوجيا الحديثة.

video


 

وتبين الوقائع أن هناك من العراقيين من لا يخرج أبدا من مرحلة الصدمة، ويروي جيران أبو ستار في منطقة الشعب شرق العاصمة بغداد أنه تعرض لانفجار عبوة ناسفة قرب منزله، وأدى ذلك إلى إصابته بحالة من الانعزال النفسي تبعه فقدان للذاكرة ثم انهيار تام حتى فارق الحياة وهو ينادي أين أبنائي.

أما أستاذة العلوم النفسية في كلية التربية (ابن رشد) الدكتورة شيماء عبد العزيز فترى أن بعض صور عدم الاستقرار النفسي تعود للثورات والحروب المتعاقبة التي عاشها العراق لعقود طويلة.

وبيّنت المتحدثة أن أعمال العنف الحالية انعكست على الشخصية العراقية بصورتين، الأولى سلبية من ناحية الأثر النفسي على المواطنين، والثانية إيجابية وهي منح هذه الشخصية قوة والتحاما مع محيطها.

وفي هذا الإطار، دعا الخيلاني الجهات المعنية داخل العراق للإسراع لإنشاء مراكز دعم وتأهيل نفسي، والقيام بحملة تعمل على توفير الأجواء الإيجابية بدلا من الانشغال بدراسة الآثار السلبية للعنف.

من جهة أخرى، طالبت شيماء بضرورة التركيز على التنشئة الأولى داخل الأسرة ورعاية الطفل تحديدا مما سيخلق عناصر قادرة على التعامل مع الآثار الصعبة لعسكرة المجتمع والقتل أو التفجيرات.

ومن الشهادات التي توثق آثار التعرض المباشر للعنف شهادة فرقد جاسم من حي الدورة جنوب بغداد، الذي قال للجزيرة نت إنه لا يمكن أن ينسى تلك اللحظات العصيبة التي رافقت انفجار سيارة مفخخة عام 2010 أمام عينه.

ويتذكر جاسم كيف تطايرت أشلاء العشرات وسالت الدماء، وتساءل قائلا كيف لي أن أنسى تلك المناظر المرعبة؟!

video








وبدوره اعتبر أبو حسين الساعدي الذي يعمل مصورا قرب حديقة عامة أن الاعتياد على الوضع الأمني المتردي وحده الذي يجعلنا نعمل بصورة طبيعية.

ويشكك مواطنون بالأرقام التي تعلنها الحكومة العراقية عن أعداد الضحايا، حيث أكد بعض شهود العيان أن حوادث التفجيرات والقتل تودي بحياة العشرات إلا أن الحكومة تعلن عن أرقام مخالفة للحقيقة.

يذكر أنه لم تصدر حتى اللحظة حصيلة نهائية لضحايا أعمال العنف في العراق، إلا أن الأمم المتحدة اعلنت عن وجود أرقام مخيفة بلغت في عام 2014 أكثر من 8000 قتيل، وهو الأعلى منذ اندلاع أعمال العنف هناك الذي تصاعد في عامي 2006 و2007 وما زال يتواصل بوتيرة متصاعدة.

المصدر : الجزيرة