مع تزايد أعداد يهود فرنسا -الذين دفعهم القلق بعد هجمات باريس للتفكير في الهجرة إلى إسرائيل هربا من مشاعر المعاداة المتنامية ضدهم- يخشى كثيرون ألا تكون هي الأرض الموعودة التي يرجونها.

وقد كان من نتائج الهجمات -التي شهدتها باريس مؤخرا وسقط فيها أربعة يهود- أن أصبحت الهجرة إلى إسرائيل الموضوع الرئيسي للجالية اليهودية التي يبلغ عدد أفرادها 550 ألفا، وتعد أكبر جالية يهودية في أوروبا.

ورغم الحماس الذي يبديه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لفكرة الهجرة فإن النقاش في الأحياء اليهودية أو في اللقاءات التعريفية التي تنظمها إسرائيل ليهود فرنسا كان يدور بشأن المخاوف والمخاطر التي يمكن أن يواجهها اليهود في حال الهجرة إلى إسرائيل.

مخاوف
سامي (38 عاما) يعمل محللا ماليا ويعيش بالقرب من متجر البقالة اليهودي في شرق باريس الذي قتل فيه أربعة يهود قال "بعد ما حدث الكل يتحدثون عن الهجرة، "لكننا لا نريد الرحيل بأي ثمن، فالأمر أشبه ببدء حياة جديدة، نحن فرنسيون والثقافة هناك إسرائيلية".

وفي أحد أركان معرض إعلامي تديره الوكالة اليهودية التي تتولى الترويج للهجرة إلى إسرائيل تجمهر أزواج وزوجات حول مسؤولي الضمان الاجتماعي الإسرائيليين، وراحوا يقارنون بوجوه متجهمة بين الخدمات التي يتمتعون بها في فرنسا، ونظام الرعاية الصحية الأضعف في إسرائيل والدعم الذي يتلقاه العاطلون وقيمة معاشات التقاعد.

وقال الطبيب النفسي ياكوف كوفارسكي (59 عاما) الذي يخبئ غطاء الرأس اليهودي تحت قبعة أخرى من القماش "سيكون من الأسهل العيش كيهود هناك، لكن لديهم عنف أيضا".

وخلال العام الماضي أصبحت فرنسا أكبر دول العالم في الهجرة إلى إسرائيل، إذ هاجر إليها سبعة آلاف يهودي أي أكثر من مثلي عدد المهاجرين في 2013، كما قدرت الوكالة اليهودية أن العدد الإجمالي في 2015 سيبلغ عشرة آلاف، لكن المسؤولين يقولون الآن إن العدد قد يصل إلى 15 ألفا نتيجة الهجمات.

وقال رئيس الوكالة اليهودية ناتان شارانسكي إن الوكالة كثفت عملياتها في باريس وأصبحت تعقد لقاءات إعلامية للمهاجرين المحتملين كل ثلاثة أسابيع بدلا من مرتين في السنة مثلما كان الحال في السابق، مضيفا أن نحو خمسين ألف يهودي حضروا جلسات العام الماضي.

دفن جثة أحد قتلى هجمات باريس اليهود بالقدس (غيتي)

هجرة عكسية
والوجه الآخر للهجرة أن ما يقدر بنحو 20 %من المهاجرين الفرنسيين يعودون في هجرة عكسية إلى فرنسا في غضون خمس سنوات.

ويختار بعض رجال الأعمال من ميسوري الحال نقل عائلاتهم إلى إسرائيل، وفي الوقت نفسه الاحتفاظ بوظائفهم في فرنسا والسفر لزيارة العائلات في العطلات الأسبوعية.

وقال الشاب ميخائيل -خارج متجر البقالة الذي كان مسرحا للهجوم- "شقيقتي تعيش في إسرائيل وتقول إن الأمور صعبة، وإذا لم تكن أوضاعك مستقرة مقدما بوظيفة وسكن فسيكون الأمر في غاية الصعوبة".

ويبدو أن الهجرة أصعب ما تكون لليهود من الطبقة العاملة الذين يعيش كثير منهم في الضواحي، حيث توجد أعداد أكبر من المسلمين، لأن امتيازات الرعاية الصحية والتعليم ورعاية الأطفال في فرنسا تسد ثغرات كبيرة في ميزانية كل منهم.

وهؤلاء اليهود الأفقر من يهود السفارديم الذين هاجروا من شمال أفريقيا في الستينيات مع استقلال المستعمرات الفرنسية السابقة.

كما عبر كثيرون عن المشاكل التي يواجهها الأطفال الفرنسيون في التكيف مع الحياة بالمدارس، كما أن الكبار المعتادين على الثقافة الفرنسية يسخرون من الخشونة التي يلقونها في إسرائيل.

ولا ينتقد كبير الحاخامات في فرنسا حاييم كورسيا المهاجرين، لكنه قال في عظة ألقاها بالمعبد اليهودي الكبير في العاصمة "فرنسا هي لغتنا وأحلامنا وأملنا في المستقبل".

على الطرف المقابل، عبر رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس عن غضبه من الدعوة التي أطلقها نتنياهو ليهود فرنسا، وفكرة احتمال اختفاء أقلية موجودة في البلاد منذ ألفي عام، وأعلن أن "فرنسا من دون اليهود الفرنسيين لن تكون فرنسا".

المصدر : رويترز