باستحضار تاريخهم الموغل في القدم، خلد أمازيغ الجزائر سنتهم الجديدة حيث نظموا حفلات غنائية ومهرجانات ثقافية وفلكلورية، أكدوا من خلالها التشبث بهويتهم وتمسكهم بصون خصوصيتهم وحماية لغتهم من الاندثار.

ياسين بودهان-الجزائر

على غرار باقي دول المغرب العربي الكبير انطلقت بالجزائر أول أمس الاثنين الاحتفالات المصاحبة لبداية السنة الأمازيغية الجديدة "2965" المعروفة بيناير.

وتعد هذه المناسبة التي توافق 12 يناير/كانون الثاني من كل عام فرصة لأمازيغ الجزائر لإبراز هويتهم ومدى تمسكهم بثقافتهم.

ويربط المؤرخون هذه المناسبة بذكرى انتصار الملك الأمازيغي شيشناق (950 قبل الميلاد) على رمسيس الثالث فرعون مصر، حيث أقام حكما استمر سنوات.

المؤرخ محند ارزقي فراد، أكد للجزيرة نت وجود آثار تخلد بطولات شيشناق من خلال نقوش محفورة على أعمدة في معبد الكرنك بمدينة الأقصر تتحدث عن الأسرة الأمازيغية الثانية والعشرين. ويقول إن "مصادر يهودية تتحدث عن وصول شيشناق إلى أعتاب بيت المقدس".

فراد: يناير عنصر أساسي من مكونات الهوية الأمازيغية (الجزيرة نت)

موروث ثقافي
ويشير فراد إلى أن يناير مناسبة هامة جدا في تاريخ الأمازيغ، لكونه يحمل أبعادا اجتماعية وثقافية واقتصادية وتضامنية وحتى فلسفية.

ويقول إن يناير في الموروث الثقافي الأمازيغي عبارة عن رزنامة فلاحية فكرتها مستوحاة من عمق التاريخ ومستمدة من الرومان.

وأوضح فراد أن هذه المناسبة يحتفل بها في كل مناطق شمال أفريقيا وليس الجزائر أو المغرب العربي فقط.

وحتى الذين فقدوا لسانهم الأمازيغي يحتفلون بيناير وأحيانا بأسماء مستعارة مثل "الدراس" والعام الجديد و"راس العام" وكلها مسميات لشيء واحد وهو يناير.

لذلك يعتبر المناسبة عنصرا أساسيا من مكونات الهوية الأمازيغية، ولأنها مرتبطة بالفلاحة فهي تقام تفاؤلا بموسم جديد يكون مثمرا ويعود بالخير على الجميع.

واللافت في المناسبة هو الثراء في طرق الاحتفال ومظاهره، من إقامة مسابقات لإعداد أفضل الأطباق التقليدية مثل "الكسكي" و"تيكربابين" و"ثيغرفين" و"الشخشخوخة" وغيرها.

وتقام بالمناسبة معارض للباس التقليدي القبلي أو الشاوي وغيرها من أزياء الأعراق المكونة للعنصر الأمازيغي. كما تنظم ندوات فكرية ومسابقات للشعر الأمازيغي، ومهرجانات غنائية وفنية.

 بسعدي: الأمازيغ قطعوا أشواطا كبيرة في سبيل تحقيق مطالبهم (الجزيرة نت)

بعد تضامني
وتحمل المناسبة أيضا بعدا تضامنيا بارزا، فالعديد من المناطق الجزائرية تشتهر بما يسمى "لوزيعة" حيث تذبح الأبقار والعجول وتقسم لحومها بالتساوي بين الأهالي الفقراء والأغنياء.

ويقتضي التقليد بأن من يملك المال يدفع ضعف الثمن، ومن لا يقدر على التسديد يأخذ حصته بدون مقابل، في مشهد تضامني قل مثيله في باقي أيام السنة.

وفي ليلة يناير تجتمع الأسر الجزائرية الأمازيغية على عشاء يعد من  قمح وحبوب ولحم دجاج ومختلف البقول الجافة وخاصة الفول.

وككل عام يتطلع الأمازيغ من خلال احتفالاتهم إلى تحصيل حقوقهم وترقية لغتهم وثقافتهم.

وفي هذا السياق عبر محند ارزقي فراد، عن أمنيته في إدراج هذه المناسبة ضمن العطل الرسمية المدفوعة الأجر على غرار دخول السنتين الميلادية والهجرية.

وقال إنه متفائل في هذا الإطار خصوصا أن الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة أدرج الأمازيغية لغة رسمية ضمن التعديل الدستوري في 2012.

وأوضح أستاذ اللغة الفرنسية في جامعة مولود معمري بتيزي وزو نور الدين بسعدي أن أمازيغ المغرب الكبير يحتفلون بهذه المناسبة تعبيرا منهم عن تشبثهم بأصولهم وافتخارهم بالانتماء لشعب تمتد جذوره إلى حقب بعيدة.

ويؤكد بسعدي أن الأمازيغ باحتفالاتهم يبعثون برسالة أمل للمستقبل، وهم بذلك يتطلعون للذهاب قدما نحو تحصيل حقوقهم وترقية لغتهم وثقافتهم.

وقال إن الأمازيغ قطعوا أشواطا كبيرة في سبيل تحقيق مطالبهم لكن الطريق لا تزال في رأيه طويلة لكي تجد لغتهم وثقافتهم المكانة اللائقة.

المصدر : الجزيرة