غارات الثأر الأعمى تطل من جديد على شمال لبنان، فالحسابات التاريخية بين باب التبانة وجبل محسن لم يتم التحكم في إرهاصاتها وإفرازاتها على الرغم من تنفيذ خطة أمنية بالمنطقة ورغبة السياسيين في لجم الصراع ولو إلى حين.

أسامة العويد-شمال لبنان

علي إبراهيم ذو الـ17 ربيعا يلعب مع نادي حركة الشباب الرياضي، ويذكر أصدقاؤه أنه كان مرحا ويحب الحياة، لكنه مثل أبرياء آخرين دفع حياته ثمنا لإفرازات الثورة السورية وغارات الثأر بين منطقتي باب التبانة وجبل محسن.

لقي الشاب حتفه في انفجار جبل محسن الذي تبنته جبهة النصرة في بيان لها عبر تويتر وأدى لمقتل تسعة أشخاص بمن فيهم الانتحاريان منفذا العملية إلى جانب 37 جريحا نقلوا إلى مستشفيات طرابلس.

وقد أشار الجيش اللبناني لاحقا إلى أن زنة الحزامين الناسفين تبلغ أربعة كيلوغرامات من مادة الـ"تي إن تي".

والدة علي كانت في المنزل عندما دوى الانفجار، أما زوجها محمد إبراهيم فكان على بعد 150 مترا من مسرح العملية.

يقول إبراهيم "كنت على علم أن ابني الشهيد علي في المقهى وكانت حالتي صعبة جدا، دخلت المقهى وأخرجت بعض الجرحى للخارج، مشيت قليلا للأمام وإذا بولدي ممدد على الأرض، حملته وركضت به نحو السيارة"، وبعد ما تأكد خبر وفاة علي أصيبت والدته بجلطتين دماغيتين مع أن زوجها منعها من مشاهدة الجثة

صور الشاب القتيل علي إبراهيم علقت أمام مجلس عزاء في جبل محسن (الجزيرة نت)

حزن الصغار
بعد أن سلم الشاب الروح لباريها تحدث أحد أصدقائه للجزيرة نت، قائلا "كرة القدم جمعتنا ولكن الإرهاب فرقنا، مذ كنا صغارا ونحن نلعب، لا وفق الله من كان السبب".

في زاوية أخرى من منطقة باب التبانة يرن هاتف منى العلي وهي في المطبخ تزامنا مع صوت انفجار يعيد للأذهان "الفصول المتعبة".

يتساءل زوجها خالد: "أين محمد؟ هل هو في البيت.. هناك صوت انفجار ويبدو أن الوضع قد تأزم، احرصي، يبدو أن نغمة المعارك ستعود".

مثل هذه اللقطات كانت معتادة منذ أشهر قبل توقف الجولات الماراثونية والمعارك التاريخية بين الجبل وباب التبانة.

ويثور قلق بشأن ما إذا كان الانفجار الأخير سيبعثر حالة الهدوء التي خيمت على عاصمة الشمال اللبناني طرابلس منذ تنفيذ الخطة الأمنية ورحيل قيادات المحاور المسلحة من منطقتي باب التبانة وجبل محسن.

غير أن منى الحريصة على أولادها تعتبر أن الانفجار "جريمة بشعة غابت فيها أرواح بريئة لا ذنب لها والذي يجب أن يعاقب هو من يخطط لمثل هذه الأعمال، ومن يقف خلف تفجيري مسجدي السلام والتقوى".

معظم الذين التقتهم الجزيرة نت في باب التبانة لا يحبون الحديث لوسائل الإعلام، ولو أن البعض قد يرمي بالكلمات على الهوامش ويرضى أن يدون اسمه بدون ذكر العائلة خوفا من "الملاحقة والتوقيفات في فترة صعبة تمر بها المنطقتان".

إبراهيم: أخرجت بعض الجرحى ووجدت ابني ممددا داخل المقهى (الجزيرة نت)

خلافات السياسيين
سمير شاب في مقتبل العمر يعمل بين أزقة التبانة منذ زمن، ويقول "طالما أن السياسيين ليسوا متفقين فسيبقى الخلاف بين الجبل والتبانة والتفجير عملا مدانا، ولا أظن أن هناك جولات".

أما الطالب الجامعي أحمد فيقول "أنا ضد قتل الأبرياء، لكن زعماء الجبل المتهمين بمقتل العشرات من الطرابلسيين يجب أن يحاكموا". ويتساءل: لماذا لم يعاقب منفذو جريمة السلام والتقوى؟

ويرى أن السياسيين ورؤساء الأجهزة الأمنية هم من كانوا يدعمون المعارك، "ولا أظن أنهم يريدون حاليا عودتها".

غير أن غضب الشارع في جبل محسن على فقدان شبابه تقابله رغبة في التهدئة من منطقة باب التبانة، حيث استنكرت الحادث، بينما عكست وفود التعزية رغبة المجتمع في نزع فتيل الأزمة، مما يشير إلى أنه لا أفق لجولات بين الطرفين، خاصة في ظل الحوار بين تيار المستقبل وحزب الله، وفق مراقبين.

بيد أن كثيرين يتساءلون: هل سيغيّب الانفجار قضية تفجيري مسجدي السلام والتقوى؟ وهل بدأت جبهة النصرة مرحلة جديدة في معركتها مع أنصار النظام السوري؟

المصدر : الجزيرة