منذ خمسينيات القرن الماضي لم نعرف شتاء كهذا.. تلك شهادة التسعيني أبو صطيف الذي كان يتحدث عن الشتاء القارس بريف اللاذقية، الذي تحول لكابوس يطارد 120 ألف سوري بقرى وادي بردى على ارتفاع ألفي متر عن سطح البحر.


 
                                               سلافة جبور وعمر أبو خليل-دمشق وريف اللاذقية

عاش السوريون أسبوعا كان الأكثر قسوة منذ بدء فصل الشتاء، لاسيما بقرى وادي بردى بريف دمشق ومناطق ريف اللاذقية، حيث شهدت هذه المناطق أياما عصيبة لم تعرفها منذ خمسين عاما.

فمع ارتفاع عن سطح البحر يبلغ حوالي ألفي متر، واستقبال أكثر من ثمانين ألف نازح من مختلف محافظات البلاد، إضافة لحصار النظام السوري الخانق، يعيش حوالي 120 ألف مدني بقرى وادي بردى أقسى شتاء عرفته تلك القرى والتي طالما اشتهرت بكونها أهم المناطق السياحية بريف دمشق.

ورغم توقيع هدنة في نوفمبر/تشرين الثاني الفائت بين قوات النظام والفصائل المعارضة بالمنطقة، إثر قطع الأخيرة المياه عن مدينة دمشق عدة أيام، فإنها لم تحمل الانفراج المتوقع للمدنيين بعد حصار دام لأكثر من عام ونصف عام، إذ لا تزال قوات النظام تمنع دخول الدواء والمحروقات.

وبينما توقفت عمليات القصف والقنص وسُمح للمدنيين بالتجول بين القرى حتى بعد مغيب الشمس، ودخلت قوافل تابعة للهلال الأحمر العربي السوري محملة بالمواد الغذائية تحت حماية كتائب الجيش الحر، لم يُسمح بدخول الغاز سوى بكميات قليلة لا تكفي سوى حاجة 8% من السكان.

مقاتلو الجيش الحر يساعدون بتوزيع الخبز  على الأهالي بوادي بردى (الجزيرة نت)

تهريب المازوت
ويقول أبو محمد البَرَداوي للجزيرة نت "لم يعد أمام العائلات التي تبحث عن الدفء خلال العاصفة الثلجية سوى اللجوء لاستخدام الحطب الرطب، رغم صعوبة تأمينه وغلاء أسعاره وأضرار استخدامه الصحية خاصة على الأطفال".

ويشرح "في ظل انقطاع التيار الكهربائي وشح المحروقات، يتم إدخال المازوت بشكل سري للمنطقة، وقد يتعرض من يقوم بذلك للاعتقال ومصادرة حمولته، وهو ما أدى لارتفاع سعر الليتر الواحد إلى 250 ليرة سورية (1.2 دولار)".

ولا تقتصر معاناة المدنيين على ما سبق، فالكثير من العائلات لا تملك ثياباً وأغطية تقيها البرد القارس، كما أن عشرات المنازل وخاصة قرية عين الفيجة تصدعت نتيجة القصف المتكرر وانفجار السيارات المفخخة، الأمر الذي أدى لحدوث تشققات في الأسقف والجدران تجعل من الهواء البارد والأمطار ضيفاً ثقيلا على سكان تلك المنازل، ما يجبرهم بشكل يومي على إزالة الثلوج وترقيع التشققات لتجنب تسرب المياه.

في ريف اللاذقية أيضا، تجددت السبت الماضي العاصفة الثلجية على عموم سوريا، حيث غمرت الثلوج الكثيفة كامل مناطق جبلي الأكراد والتركمان الخاضعة لسيطرة المعارضة.

الأطفال بريف اللاذقية وجدوا بالثلج فرصة للعب رغم البرد القارس (الجزيرة نت)

عزل كامل
وتسببت الثلوج بإغلاق كل الطرقات وتوقف حركة السير عليها، وبات كامل الريف معزولا عن العالم، بانتظار أن تساهم كتائب الجيش الحر والفعاليات المدنية والشعبية في اليوم التالي بفتح الطرقات.

وتحدث الحاج التسعيني أبو صطيف عن أن ريف اللاذقية لم يشهد مثل هذه الثلوج منذ خمسينيات القرن الماضي.

وتسببت درجات الحرارة المنخفضة والتي وصلت إلى 17 تحت الصفر في قرية الكبانة بتشكل الجليد بسماكات كبيرة، كما جمدت الثلوج الكثيفة منذ منتصف ليلة السبت، مما أثار الذعر في نفوس السكان من إغلاق الطرقات لأيام طويلة تستنفد مؤونتهم من الطعام والحطب، وتمنعهم من الوصول إلى المشافي الميدانية في الحالات المرضية.

ويروي أبو رعد قصته وزوجته مع معاناة هذه الظروف، وقال "رحمة الله أنقذت زوجتي، فقد جاء موعد ولادتها ليلا، كان الثلج يتساقط، ولا يمكن لأي سيارة أن تتحرك، لم نستطع نقلها إلى المستشفى الميداني، ساعدتها نساء القرية في الولادة، ومرت الأمور على خير" مبينا أنه سمى مولودته "هدى" على اسم العاصفة التي أصابت المنطقة.

لكن قصة قرية اليمضية في جبل التركمان مع العاصفة كانت أشد قسوة، بعد أن اقتلعت عشرات خيام النازحين القاطنين في مخيم أقيم بالقرية وشردت المئات من قاطنيها.

مقاتلو الجيش الحر ساهموا في تخفيف آثار العاصفة عن الأهالي (الجزيرة نت)

يد واحدة
تحدث بكور (أحد سكان المخيم، وكان يجلس تحت شجرة وقد أوقد نارا بصفيحة معدنية) كيف أن العاصفة داهمته وعائلته فجر الأربعاء بينما كانوا نائمين، حيث اقتلعت الرياح خيمته وحملتها لمسافة بعيدة.

وأضاف للجزيرة نت "نقلنا الأطفال وبعض أمتعتنا الضرورية إلى خيمة أحد الأقارب في أسفل الجبل، توقعنا أن يحميها موقعها من الرياح، وما هي إلا لحظات حتى لحقت بخيمتنا.. فبتنا بلا مأوى".

وأخفت أم رياض دموعها وهي تتحدث عن معاناتها بعدما أسقطت الرياح والأمطار الخيمة التي تسكنها مع أطفالها الثلاثة، مشيرة إلى أنها نزحت من جسر الشغور بعدما استشهد زوجها، هربا من براميل النظام وقذائفه، وأردفت "هذا نصيب السوريين يهربون من موت إلى موت".

المصدر : الجزيرة