حاوره أحمد الأمين-نواكشوط

اعتبر مسؤول العلاقات الخارجية بحركة المقاومة الإسلامية (حماس) أسامة حمدان أن تصويت الولايات المتحدة ضد مشروع قرار إنهاء الاحتلال الإسرائيلي يؤكد أن محاولات الاستجداء على موائد المجتمع الدولي لن تؤدي إلى نتيجة، وأن منهج المقاومة هو الذي يستطيع أن يفرض إرادة الشعب الفلسطيني.

وأكد حمدان في حوار مع الجزيرة نت أن حماس وإيران تجاوزا خلافاتهما، ورأى أن التقارب المصري القطري لن يؤثر على موقف الدوحة الداعم للمقاومة وللشعب الفلسطيني.

وقال إن قرار انضمام فلسطين لمحكمة الجنايات الدولية جاء متأخرا، لكنه خطوة في الاتجاه الصحيح، ويجب أن ترافقها جهود أخرى من أجل العمل على محاكمة القادة الإسرائيليين على كل الجرائم التي ارتكبوها بحق الشعب الفلسطيني.

ودعا إلى تفعيل المؤسسات الوطنية الفلسطينية، وعقد مؤتمر وطني جامع بمشاركة كل القوى والفعاليات لرسم إستراتيجية واضحة في إدارة المقاومة والصراع مع الاحتلال.

- هل ترون أن قرار السلطة الفلسطينية الانضمام لمحكمة الجنايات الدولية خطوة جادة أم أنها مجرد ردة فعل آنية؟

هذه الخطوة من حيث التوقيت متأخرة، وقد تلاها ما هو مقلق، فبعد التوقيع على الانضمام لمحكمة الجنايات تم تسريب معلومات من رئاسة السلطة تقول إن الأوراق الموقعة لم تسلم بعد إلى الأمم المتحدة، وقد يتأخر تسليمها، وهذا يعني أنه ربما يكون هناك بعض التردد الناشئ عن ضغوط سياسية.

لقد كان من المفترض أن يتم اتخاذ هذه الخطوة منذ العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني سنة 2008، والذي تجلت فيه جرائم الحرب بأبشع صورها.

ما جرى في مجلس الأمن أكد أن المقاومة هي الرؤية التي تستطيع أن تفرض إرادة الشعب الفلسطيني، وأن محاولات الاستجداء على موائد المجتمع الدولي لن تؤدي إلى نتيجة

يجب أن نعمل على محاكمة قادة الكيان الصهيوني ومجرمي الحرب الإسرائيليين على كل الجرائم التي ارتكبوها بحق الشعب الفلسطيني، ويجب ألا نتأخر في ذلك خطوة واحدة، وأن نظل نناضل في هذا السبيل ونسعى لتحقيق ذلك حتى ولو تعثر أو تطلب وقتا إضافيا، أو احتاج إلى مساعدة من أصدقاء أو حلفاء أو أشقاء من أبناء الأمة.

نحن مطالبون بالسير على هذا الطريق والعمل في هذا الاتجاه كجزء من إدارة المواجهة مع الكيان الصهيوني.

هذا في ما يتعلق بتوقيت الخطوة، أما في الجانب الآخر فأعتقد أن الفيتو الأميركي كان ينبغي التعامل معه بطريقة أعمق من مجرد توقيع الاتفاقيات، فالواقع الفلسطيني تتجاذبه رؤيتان: إحداهما ترى أن المقاومة هي التي تحدد طريق التحرير، والثانية ترى المفاوضات سبيلا وترفض المقاومة.

وما جرى في مجلس الأمن أكد أن المقاومة هي الرؤية التي تستطيع أن تفرض إرادة الشعب الفلسطيني، وأن محاولات الاستجداء على موائد المجتمع الدولي لن تؤدي إلى نتيجة، ولهذا قلنا إننا لن نتوقف عند حدود التلاوم، رغم أنه كان هناك خطأ في المضمون وفي الشكل في تقديم مشروع القرار.

لقد آن الأوان لإعادة بناء مؤسساتنا الوطنية لتكون قادرة على اتخاذ القرار، وعقد مؤتمر وطني جامع بمشاركة كل القوى والفعاليات الفلسطينية لرسم إستراتيجية واضحة في إدارة المقاومة والصراع مع الاحتلال، حتى تحقيق الأهداف الوطنية الفلسطينية.

- المتابع للشأن الفلسطيني لا يرى خطوات عملية لحكومة الوفاق، ولا أثرا ملموسا للمصالحة بين الفصائل، فهل توقف هذا المسار؟ وما العراقيل التي تواجهه؟

لا شك أن هنالك إشكالات حقيقية في عمل حكومة الوفاق الوطني الفلسطيني، بعضها بسبب الضغوط السياسية الخارجية، وعلى رأسها ضغوط الكيان الصهيوني، وبعضها نتيجة ظروف الواقع وبيئته، وثمة إشكالات أخرى ناشئة عن سوء تقدير بعض الشخصيات التي لها علاقة بإدارة موضوع المصالحة، حيث قرأت المصالحة بمنطق المكسب والخسارة والهزيمة والانتصار.

أما نحن فمنطقنا في المصالحة أنه إذا كان الاحتلال جاثما على صدورنا فكلنا خاسرون، وإذا تخلصنا من الاحتلال فكلنا رابحون، ولهذا كنا نرى أن إدارة عمل الحكومة يجب أن تتم في سياق ما اتُّفِقَ عليه، ووفقا للمصلحة الوطنية.

سنعطي هذه الحكومة التي شاركنا في تشكيلها الفرصة لتحقق الأهداف المرسومة، وهذه الحكومة إما أن تدخل التاريخ الفلسطيني كحكومة إنجاز وطني، وإما أن يحكم عليها بأنها حكومة تعثر وإشكالات، ولا أعتقد أن هنالك شخصا يرغب في أن تكون تلك سمته وهذه صفته في سجل التاريخ الفلسطيني.

- الحصار الذي يعيشه قطاع غزة يبدو اليوم أكثر إيلاما وإحكاما في ضوء إغلاق معبر رفح وتدمير الأنفاق وإقامة منطقة عازلة في سيناء، ما الخطوات المتخذة لفك هذا الحصار أو تخفيفه؟

قد يكون من المفهوم أن يحاصرك العدو لأنه يريد أن يستأصلك ويقتلك، والحصار جزء من أدوات القضاء عليك، لكن أن نجد حصارا من جانب أشقائنا فذلك مؤلم بشكل كبير.

لقد قلنا -وما زلنا نكرر- إننا نريد أن يكون معبر رفح نقطة اتصال مع أمتنا، ومعبر دعم لشعبنا وقضيتنا، ولذلك ما زلنا نبذل جهودا عبر اتصالات مباشرة مع الجانب المصري، وهنالك جهود ندعو إلى بذلها من أشقاء للتدخل لدى المصريين لإنهاء هذا الحصار.

وأعتقد أن إنهاءه سيكون عاملا مساعدا في تقوية الموقف الفلسطيني في مواجهة الكيان الصهيوني، وفرض شروط فلسطينية حقيقية تعبر عن الإرادة الوطنية.

- تعيش المقاومة الفلسطينية اليوم نوعا من الحصار تسهم فيه أطراف إقليمية، ما تقييمكم للموقف العربي الآن من القضية الفلسطينية عموما ومن المقاومة خصوصا؟

لا شك أن الموقف العربي اليوم ليس موحدا تجاه القضية الفلسطينية، وهذا مؤلم ومؤسف.

وهناك ثلاثة مواقف: طرف لا يزال يدعم الفلسطينيين ويبذل جهودا كبيرة في نصرتهم، وطرف ثان يكاد يقف على الحياد وكأن الأمر لا يعنيه، وثالث اتهمه الإسرائيليون علنا بأنه شريك لهم في محاولة التخلص من المقاومة ولم ينف ذلك، وعدم نفي التهمة يثير التباسا وسؤالا كبيرا حول أنها قد تكون صحيحة وصادقة.

حالة التباين والانقسام في الموقف العربي تضعف القضية الفلسطينية، لكن المقاومة عملت في ظروف قاسية ووطّنت نفسها على العمل في أقسى الظروف وقبلت التحدي، وحتى الآن نالت توفيقا كبيرا من الله، ودعما من الأمة

إن دعم القضية الفلسطينية من الأشقاء العرب ليس مسألة عاطفية، بل قضية إستراتيجية، لأن تمكن الكيان الصهيوني من تصفية القضية الفلسطينية سيفتح شهيته للتمدد في الجوار، وقد ثبت أن المجتمع الدولي لا يحمي أحدا في مواجهة الكيان الصهيوني، وغالبا لا يحمي الكثيرين في مواجهة حالة طغيان واستبداد إقليمية تمثلها إسرائيل.

ومن هنا، فإن من يحمي القضية الفلسطينية إنما يحمي نفسه ويدافع عن مستقبله، ثم إن تكريس منطق الاحتلال لا يوفر أمنا لأي دولة في العالم، لأن ذلك يعني أن أي طرف يملك القدرة على احتلال بلد آخر يستطيع أن يفعل، ويمكن مع الزمن أن يصبح ذلك حقا من حقوقه.

لذلك أعتقد أن الوضع يتطلب موقفا عربيا موحدا أو تعديل الموقف العربي ليتمثل في حالة إجماع على دعم القضية الفلسطينية.

ولا شك أن حالة التباين والانقسام في الموقف العربي تضعف القضية الفلسطينية، لكن المقاومة عملت في ظروف قاسية ووطّنت نفسها على العمل في أقسى الظروف وقبلت التحدي، وحتى الآن نالت توفيقا كبيرا من الله، ودعما من الأمة، وإذا أقفل باب في لحظة من اللحظات فهنالك أبواب عديدة تفتح، وهذه المقاومة لن تتوقف أو تستكين حتى ينتهي الاحتلال بإذن الله.

- هل تعني عودة الدفء لعلاقات حماس وإيران تحولا في تحالفاتكم وإقرارا بخطأ الرهان على الربيع العربي واعترافا بفشله؟

أود أن أوضح بعض النقاط في هذا السياق: أولاها أنني أعتقد أن نهضة الأمة وحراكها وثورتها لم تنته، وما يجري اليوم هو حالة من السيولة لم تصل بعد إلى نهاياتها، وبالتالي فكل شيء ممكن ووارد فيها.

والنقطة الثانية أن موقف حركة حماس المبدئي هو أنها تعمل من أجل تحرير فلسطين وشعبها، ومن يطلب الحرية لشعبه لا يمكن أن ينكرها على أي شعب آخر فكيف إذا كان شعبا شقيقا.

قطر دعمت غزة في كل المحطات بغض النظر عما كان يجري في مصر، ونعتقد أن القضية الفلسطينية لن تتأثر سلبا من التقارب المصري القطري

والنقطة الثالثة أننا نعتقد أنه من حق أي شعب أن يسعى إلى حريته وتحسين أوضاعه ويطالب بالتنمية، وليس لأحد من خارجه أن يتدخل في ذلك، فأبناء البلد هم القادرون على تسيير أمورهم على خير وجه، لذلك رفضنا أن نتدخل في الشأن السوري أو أن نكون طرفا في ما يجري هناك.

أما النقطة الأخيرة فهي أننا نبني علاقاتنا بكل الأطراف على قاعدة القضية الفلسطينية ودعمها، فمن يدعمها نرحب بجهده، ومن يقف إلى جانبنا نقدر موقفه، فإذا أراد أن يقرن هذا الدعم بشروط نعتذر له ونعتذر عن قبول دعمه.

إن فلسطين قضية الجميع ومن يدعمها يؤدي واجبه. ومن هنا لم نبادر إلى تعطيل أو تقليص أي علاقة بأي طرف أو نتسبب في فتورها، وإنما كنا دائما حريصين على علاقاتنا وتطويرها.

وفي هذا السياق، تأتي استعادة دفء العلاقات مع إيران التي قدمت دعما للقضية الفلسطينية لا يخفى على أحد، ونرجو أن يتواصل هذا الدعم ويزداد في المرحلة القادمة.

- التقارب القطري المصري الذي حدث مؤخرا بوساطة سعودية هل تخشون أن يؤثر على دعم الدوحة للمقاومة الفلسطينية؟

علاقاتنا مع قطر قديمة وسابقة لكل ما يجري في المنطقة، وعمرها يكاد يصل إلى عشرين عاما، وهي علاقة عرفت احتراما متبادلا ودورا إيجابيا لقطر في الدفاع عن فلسطين وشعبها.

إن الدور القطري ملموس في دعم صمود الشعب الفلسطيني، والكل يذكر للدوحة دعوتها لقمة غزة خلال العدوان على القطاع عام 2008 والتي عقدت رغم محاولات كثيرة لتعطيلها.

كما أن الكل في فلسطين يعرف لقطر دورها في إعمار غزة بعد هذا العدوان. لقد دعمت قطر غزة في كل المحطات بغض النظر عما كان يجري في مصر، ولذلك فنحن نعتقد أن القضية الفلسطينية لن تتأثر سلبا من التقارب المصري القطري.

إن دور قطر ودعمها القضية الفلسطينية بقي ثابتا وراسخا ولم تؤثر فيه عوامل كثيرة.

وفي منطق العلاقات العربية العربية نحن حريصون على أن تكون هذه العلاقات مستقرة وإيجابية وجيدة، وتطوير هذه العلاقات على أسس واضحة وراسخة وبما يدعم استقرار المنطقة والقضية الفلسطينية أمر مطلوب.

وأعتقد أن القيادة القطرية وعلى رأسها سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني تملك من الحكمة والحنكة ما يهيئ لها إدارة العلاقة بشكل يخدم جملة من المصالح الثنائية والمصالح العربية كذلك.

المصدر : الجزيرة