تنقسم آراء المحللين السياسيين في روسيا بشأن إمكانية صمود اتفاق وقف إطلاق النار بين أوكرانيا والانفصاليين الساعين للانفصال عنها، وبينما يرى البعض أن هناك عوامل ترجح صمود الاتفاق لا يستبعد آخرون حدوث خرق قريب له وربما انهياره.

أشرف رشيد-موسكو

أحيا اتفاق الهدنة بين كييف والانفصاليين الموالين لروسيا الآمال بإمكانية إنهاء الحرب الأهلية الدائرة في شرق أوكرانيا منذ ما يقرب من نصف عام، لكن مراقبين شككوا في إمكانية صمود الاتفاق، معتبرين أنه يفتقر إلى مقومات النجاح.

ويستند الاتفاق إلى مبادرة عرضها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تتألف من شقين: عسكري يتضمن وقف العمليات الهجومية في منطقتي دونيتسك ولوغانسك، وإنشاء آلية مراقبة دولية لتطبيق لوقف إطلاق النار، ووقف استخدام الطيران الحربي في مناطق النزاع.

أما الشق الثاني فهو إنساني ويتضمن تبادل الأسرى وفتح ممرات إنسانية، وإرسال معدات لإعادة إعمار البنى التحتية.

وجاء الاتفاق بعد أن أجرت الولايات المتحدة جولات من المشاورات مع حلفائها الأوروبيين قبيل توقيع الاتفاق، لفرض عقوبات اقتصادية جديدة ضد روسيا للضغط على الكرملين المتهم بالوقوف بقوة خلف الأزمة الأوكرانية.
مدرعات أوكرانية خلال المعارك مع الانفصاليين شرق البلاد (الجزيرة نت-أرشيف)

شبح العقوبات
ويرى المحلل السياسي المتخصص في شؤون رابطة الدول المستقلة يوري زينين أن هناك عوامل عدة ساهمت في قبول الطرفين التوقيع على الاتفاق، من أبرزها رغبة روسيا في تجنب العقوبات الأوروبية المتشددة، معتبرا أنه يجب التنبه إلى أن الدول الأوروبية ليست موحدة في رؤيتها للعقوبات.

وقال زينين للجزيرة نت إن هناك معسكرا لدول "الصقور" في أوروبا تجاه الأزمة الأوكرانية، وأبرز دوله فرنسا وألمانيا وبريطانيا وبولندا، وهو دائم المطالبة بفرض عقوبات أشد ضد روسيا.

وتابع أن هناك معسكرا لدول تفضل الحياد، وتمثله دول أبرزها فنلندا والنمسا واليونان، فيما توجد دول تعارض فرض العقوبات على روسيا مثل سلوفاكيا وهنغاريا.

وبرأي زينين، فإن مبادرة بوتين "جاءت في توقيتها الصحيح"، وأنها عززت من موقف الأطراف المطالبة بعدم اعتماد خطوات متشددة وبالتالي استصدار عقوبات مخففة.

اقتصاد مترد
وعن الدور الذي لعبه الوضع الاقتصادي المتردي في أوكرانيا ومدى تأثيره في القبول بشروط الاتفاقية، قال زينين إن أوكرانيا تمر بأوضاع صعبة للغاية، وتستنجد بأوروبا والولايات المتحدة، وبصندوق النقد الدولي لمساعدتها.

واعتبر أن كييف تلقي باللائمة على حلفائها بلا استثناء، وأنها تتهمهم بخذلانها والتنكر لها.

وأضاف أن الواقع يؤكد أن الدول المانحة والمؤسسات المصرفية الدولية والاتحاد الأوروبي وغيرها من الجهات ترغب بمساعدة من يطورون اقتصادهم بشكل طبيعي.

وأردف أنه في حالة الاقتصاد الأوكراني المتهاوي فإن الأمر بحاجة لدراسة متأنية لأن لا أحد يرغب بتقديم الأموال مجانا، وأن أوكرانيا استنفدت كل الفرص لنيل الثقة، وأضاعت جميع فرص النهوض الاقتصادي في وقت السلم، متسائلا عن كيفية الوضع في وقت الاضطرابات والحروب.

وهناك عامل اقتصادي آخر محوري لفت إليه زينين وهو الغاز، موضحا أن أوكرانيا تستعد لاستقبال فصل الشتاء، مما يتطلب استيراد كميات كبيرة منه، خاصة أن استخراج الفحم من مدينة دونباس أيضا متعثر بسبب الاضطرابات، وعلى الأرجح أن أوكرانيا ما زالت تطمح للحصول على غاز روسي بأسعار تفضيلية.

وخلص للقول إن روسيا تريد عودة الهدوء إلى حدودها الجنوبية، ولا تريد للحرب الأهلية الأوكرانية أن تتسع أكثر، أو أن تتدخل فيها أطراف أجنبية كحلف الناتو، لأن هذا يدخل الأزمة في طور جديد أكثر تعقيدا ويزيد من إمكانية نشوب حرب إقليمية كبيرة لا تعرف نهايتها.

فيلاتوف: بقاء الخلافات الأساسية يهدد الوقف الدائم لإطلاق النار (الجزيرة نت)

مقومات النجاح
أما المحلل السياسي سيرغي فيلاتوف فقد شكك في إمكانية نجاح الاتفاق، نظرا لبقاء الخلافات الأساسية بين روسيا وأوكرانيا.

وقال للجزيرة نت إن مناطق الشرق الأوكراني ما زالت تطالب بالانفصال، وإن السلطات في كييف ما زالت ترفض هذا المطلب وتصر على بسط سيادة الدولة على هذه المناطق التي تعتبرها متمردة.

وبرأيه، فإن الاتفاقية سيسري العمل بها لبعض الوقت، لكن الوقف الدائم لإطلاق النار سيبقى غير مؤكد.

واعتبر فيلاتوف أن على الجميع أن يأخذوا في الحسبان أن القيادة الأوكرانية ليست مستقلة في قرارها، مدللا على ذلك بخطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي ألقاه في تالين قبل يوم واحد من توقيع الاتفاق، عندما قال إن بلاده -وبغض النظر عن كيفية تطور الأوضاع السياسية في أوكرانيا- ستعمل على تكوين منظومة أمن جماعي لدول أوروبا الشرقية.

وأشار إلى أن هناك من يعتقد أن اتفاق وقف النار يمثل انتصارا للانفصاليين ولروسيا، لأنه يثبت سيطرتهم على مدن في شرق أوكرانيا بعد التقدم الذي حققوه في الأسابيع الأخيرة بمساعدة عسكرية روسية مباشرة.

وعبر المحلل السياسي عن مخاوفه من أن الاتفاقية الموقعة تفتقر إلى مقومات الصمود، وأن هناك قسما كبيرا من المعارضين لها، في مقدمتهم رئيس الوزراء الأوكراني أرسيني ياتسينيوك الذي أبدى معارضة علنية للمبادرة، واصفا إياها بالخديعة الروسية للمجتمع الدولي لتفادي العقوبات.

وختم بالإشارة إلى أنه لا يستبعد حدوث خرق قريب لوقف إطلاق النار تحت ذرائع مختلفة.

المصدر : الجزيرة