رأى عدد من المراقبين الأردنيين أن الخلافات التي تعصف بجماعة الإخوان المسلمين في الأردن قد تقدم خدمة مجانية للحكومة التي ليست على وفاق مع الجماعة، وأن تلك الخلافات سوف تؤدي لإضعاف الجماعة من الداخل بدون تدخل حكومي.

الجزيرة نت-عمان

عادت الخلافات الداخلية بين تيارات جماعة الإخوان المسلمين -المكون السياسي الأكبر بالأردن- للظهور إلى السطح مرة أخرى، واحتدم الجدل على وجه الخصوص بين ما يعرف بتيار الحمائم وتيار الصقور داخل الجماعة.

وكانت الأزمة قد تفاقمت بعد مؤتمر "إصلاح الجماعة الثاني" الذي عقدته شخصيات محسوبة على تيار الحمائم وتوصف بأنها قريبة من النظام الأردني، إلا أن المؤتمر الذي كان من المفروض أن يحلحل الأزمة أدى إلى تفاقمها.   

وأصدر المؤتمر بيانا شديد اللهجة، هدد بإيقاف التعامل مع المكتب التنفيذي -حكومة الجماعة المصغرة- والامتناع عن دفع الاشتراكات الشهرية، وتنفيذ اعتصام أمام مقر الجماعة الرئيسي، وإعلان العصيان التنظيمي.

لكن قيادات تتبع تيار الصقور الذي يسيطر على مقاليد الجماعة قللت من أهمية المؤتمر، واعتبرت في حديثها للجزيرة نت أنه لا يختلف عن المؤتمر الأول الذي عقدته الشخصيات ذاتها قبل أشهر في مدينة إربد شمال الأردن.

وقد اعتذرت قيادات تاريخية بارزة تمثل الحمائم عن حضور المؤتمر، من أمثال رئيس مجلس النواب السابق عبد اللطيف عربيات، والأمين العام السابق لحزب جبهة العمل الإسلامي -الذراع السياسية للجماعة- حمزة منصور، والمراقب العام السابق للجماعة سالم الفلاحات.

الذنيبات (يسار) والقضاة (وسط) حضرا المؤتمر (الجزيرة)

مفارقة
وكان من المفارقة أن تلك القيادات كانت قد انسحبت من جلسة خصصها الحزب منتصف الشهر الماضي لانتخاب أمينه العام، وشهدت توترا حادا بعد انتخاب محمد الزيود بدل القيادي المحسوب على الحمائم سالم الفلاحات.

وكان من أبرز حضور المؤتمر المراقب العام السابق للإخوان عبد المجيد الذنيبات الذي يواجه اتهامات داخلية بقربه من النظام، إضافة لرئيس مجلس علماء الشريعة في الجماعة شرف القضاة.

وفيما قال الداعون للمؤتمر إن عدد الحضور بلغ نحو ثلاثمائة من قيادات وأبناء الجماعة قدرت قيادات صقورية العدد بنحو 120 مشاركا.

ولم تنطفئ نار الخلاف في صفوف الجماعة منذ أن أصدرت محكمة داخلية قرارا في أبريل/نيسان الماضي بفصل ثلاثة من أبرز قادة الحمائم وعلى رأسهم رحيل غرايبة، لإنشائهم "مبادرة إصلاحية" عرفت باسم "زمزم".

وكان الداعون للمؤتمر قد طالبوا باستقالة المكتب التنفيذي، واستبعاد ما سموها عناصر التأزيم، وتعديل القانون الأساسي، إضافة لتصويب الوضع القانوني للجماعة.

وقال الناطق باسم المؤتمر جبر أبو الهيجاء للجزيرة نت إن "غالبية قواعد الجماعة تم تغييبها عن أخطاء وتجاوزات القيادة (..) هناك تعتيم مقصود على كثير من القضايا، لكنْ ثمة مساع لتوعية الأفراد".

وأضاف "ليست لدينا أي نية للانشقاق أو إضعاف التنظيم، لكننا نسعى للإصلاح".

قيادي إخواني: على الجميع التراجع خطوة إلى الوراء، وتحديدا القيادة

تعتيم إعلامي
يذكر أن أغلبية القيادات التي اعتذرت عن حضور المؤتمر رفضت التحدث للجزيرة نت، مبررة ذلك بعدم رغبتها بالتطرق للخلافات الداخلية عبر وسائل الإعلام.

لكن واحدا من هذه القيادات -اشترط عدم ذكر اسمه- قال للجزيرة نت "على الجميع التراجع خطوة إلى الوراء، وتحديدا القيادة".

ولوّح هذا القيادي باعتزال القيادات التاريخية المشهد الراهن، والاعتكاف في منازلها إن اضطرت لذلك "خشية الوقوع بالفتنة"، على حد تعبيره.

ورفضت قيادات المكتب التنفيذي هي الأخرى التحدث صراحة للجزيرة نت في ظل تصاعد الخلافات.

لكن قياديا بارز في المكتب قال للجزيرة نت إن "المؤتمر الأخير لا يعدو كونه فرقعة إعلامية باهتة، في ظل تواضع الحضور وغياب الرموز".

وقال آخر "قلوبنا مطمئنة على مستقبل الجماعة (..) نثق بتنظيمنا وقواعدنا".

ويتحدث باحثون ومراقبون عن ارتياح كبير داخل أجهزة الدولة السياسية والأمنية إزاء الخلافات التي تعصف بالجماعة، معتبرة أن استمرارها يضعف التنظيم من تلقاء نفسه بدل أن تتدخل الدولة لإضعافه.

أبو رمان: الأزمة المتواصلة من شأنها أن تهدد قوة التنظيم وصلابته (الجزيرة)

نوعية المشاركة
ويقول الباحث في مركز الدراسات الإستراتيجية بالجامعة الأردنية محمد أبو رمان للجزيرة نت إن "المؤتمر لن يؤثر في وحدة الجماعة وتماسكها، لكن الأزمة المتواصلة من شأنها أن تهدد قوة التنظيم وصلابته".

وأضاف أن "المعيار ليس بعدد الذين حضروا المؤتمر، لكن بنوعية المشاركين، وغالبيتهم من الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات".

واستدرك بالقول "هذه الأزمة مفتوحة على كل الاحتمالات، وهي أزمة عميقة جدا تبدأ من القيادات التاريخية المتخاصمة أساسا مع قيادة الجماعة وإن لم تشارك بالمؤتمر، وتخترق التنظيم لتصل إلى القواعد".

المصدر : الجزيرة