من وسط الدمار طلع فنانو غزة ليظهروا للعالم انتصار قوة الإيمان على الإيمان بالقوة، وحولوا كتل الدخان الصاعدة من الاستخدام الإسرائيلي المفرط والهمجي للقوة النارية إلى لوحات للحياة والأمل والثبات على الأرض.

أحمد عبد العال-غزة

وجدت الفنانة التشكيلية الفلسطينية منال أبو صفر وسيلة لإظهار حجم المعاناة التي يعيشها الفلسطينيون في قطاع غزة، وأحلامهم بالحياة بسلام، باستخدام دخان ولهب غارات الحرب الإسرائيلية على القطاع.

وحولت أبو صفر صور دخان غارات الاحتلال التي استهدفت القطاع أثناء حرب الـ51 يوما، إلى لوحات فنية تعبر عن معاناة الفلسطينيين وواقعهم وأحلامهم وأمنيات أطفالهم. 

وبرسم خطوط ومنحنيات بسيطة على تفاصيل صور لكتل من دخان القصف الإسرائيلي، تحولت كتل الدخان تلك إلى "لوحات فنية" لكف يرفع شارة النصر، أو رجل فلسطيني عجوز، أو طفل يداعب شقيقته، أو امرأة تحتضن زوجها، أو قبة لمسجد محاط بكوفية وعلم فلسطين وشمس وشارة النصر. 

وتقول أبو صفر إن "دخان الغارات الإسرائيلية يشكل مدلولات ورموزا توصل رسالة للعالم، وقد عرضت هذه المدلولات بطريقة فنية لفضح العدوان الإسرائيلي وإظهار ما يعيشه الفلسطينيون في غزة من معاناة ومأساة". 

سحابة دخان بعد انفجار حولها المصور بلال خالد لشارة للنصر (الجزيرة نت)

من قلب الألم
وتضيف "حاولت استخدام هذا الدخان الذي يجلب الموت والدمار ساحة للأمل، لنقول للعالم إننا نخرج من قلب الألم لنقاوم جرائم الاحتلال بالفن والإبداع". 

وبدأت أبو صفر لوحاتها في أيام الحرب على دخان القصف الإسرائيلي، برسم كف ترفع "شارة النصر" للاستبشار بنصر غزة، مشيرة أن الرسم على الدخان يشعل الخيال ويشكل حالة إلهام لما يشعر به الإنسان من ألم وأمل. 

وتقول "الفنانون في غزة عبروا من خلال رسوماتهم على الدخان عما يشعرون به بداخلهم، فكانت مقاومة من نوع آخر، وانتشرت فكرتها بسرعة، وحققت رسالتها، وكانت خطوة جميلة وجديدة حققت انتصارا لريشة الفنان الفلسطيني".

أما المصور الفوتوغرافي بلال خالد فرسم عشرات اللوحات الفنية على صور دخان الغارات الإسرائيلية، وقال "إن فكرة الرسومات بدأت أثناء تصويره الانفجارات والغارات على منازل المواطنين، وأثناء مراجعة الصور علي كنت أشاهد بعض الملامح والتفاصيل في هذه الصور التي بدأت من خلالها ببعض الرسومات عليها".

ويقول خالد للجزيرة نت "إن صور دخان القصف التي التقطتها شهدت تجاوبا كبيرا من الجمهور الفلسطيني، فقررت تحويلها إلى لوحات تعبر عن همومهم وأحلامهم فرسمت رجلا عجوزا منهكا، وامرأة ترتدي الكوفية الفلسطينية، وطفلا يلعب، وشابا يرفع يديه ويدعو الله، وأخيرا قلب حب يعبر عن أمنيات غزة بالعيش بسلام". 

بشارات أراد فكرة إنسانية قوية تلفت الانتباه لمعاناة غزة وأطفالها (الجزيرة)

حكاية أمل
ويضيف "لقيت هذه اللوحات رواجا كبيرا، لأنها تعبر عما في قلوب الغزيين من مشاعر صادقة، وأتمنى أن يستمر الفنانون باستخدام كل صورة من صور القصف والدمار التي تسببت بها الغارات وتحويلها إلى لوحة تعبر عن الحياة وتروي حكاية لآمال الفلسطينيين بالعيش بسلام". 

لم يكن الرسم على صور دخان الغارات وحده لإيصال رسالتهم للعالم، ففريق "قرطبة" استخدم صور نازحي الحرب في مدارس الإيواء للتعبير عن ذات الرسالة. وعمل الفريق على دمج بين نصف صورة واقعية تعكس مأساة حرب، يكملها نصف آخر رسومي بالخطوط الملونة يوضح أحلام وآمال الغزيين. 

ويقول بلال بشارات وهو مدير الفريق "مع طول أمد الحرب واقتراب موعد بدء العام الدراسي في فلسطين، انصب تفكيرنا على إيجاد فكرة إنسانية قوية تلفت الانتباه إلى مأساة أطفال غزة لا سيما فئة الطلاب منهم". 

ويضيف بشارات "ناقشنا عدة أفكار، حتى استقر الاختيار على فكرة دمج بين نصف صورة واقعية تعكس مأساة الحرب على طلاب المدارس ويكملها نصف آخر رسومي بالخطوط الملونة يوضح  الحلم والأمل وما ينبغي أن يكون عليه الحال في هذا المكان لو لم يكن هناك حرب". 

ويوضح أن الهدف الرئيسي من فكرتهم إحداث صخب يلفت الانتباه إلى أحلام أطفال غزة الضائعة بعد أن تحولت مدارسهم إلى ملاجئ لهم ولذويهم بعد أن دمرت إسرائيل منازلهم أثناء الحرب، مشيرا أن التصاميم انتشرت بشكل كبير وفي وقت قصير جدا وعلى مختلف وسائل الإعلام العربية والأجنبية. 

وأعرب بشارات عن أمله بأن يتحول جهدهم الفردي في مساندة أهل غزة إلى عمل ممنهج ترعاه وتدعمه الدولة الفلسطينية لتحقيق أثر أكبر على المستوى العالمي يليق بتضحيات أبناء الشعب الفلسطيني وجراحاتهم.

المصدر : الجزيرة