101 لوحة في معرض فني لأطفال غزة جسدت الألم والدمار، وأخرى جسدت حلمهم بحياة طبيعية كبقية أطفال العالم. عدد اللوحات يمثل رقم الإسعاف بغزة، وهو الرقم الذي كان الأكثر اتصالا به من قبل الغزيين على مدى خمسين يوما من الحرب.

محمد عمران-غزة

تمثل كل لوحة في معرض "شظايا الألوان المتطايرة"، حلقة من دراما تلفزيونية لم تكتب حبكتها القصصية من مخيلة كاتب، أو تلون مشاهدها بأيدي كاتب سيناريو معروف، لكنها رسمت بأيدي أطفال ناموا على أصوات القصف، واستفاقوا على مشاهد الدماء.

ومن بين سوداوية دخان القصف وحمرة الدماء ومشهد الدمار، كان أطفال غزة يعبرون عن رؤية مستقبلهم المشرق، وأملهم المنشود في مقاومة تتحدى بصاروخ محلي الصنع، أعتى طائرات الاحتلال، وتمهد الطريق لصناعة نصر يشعرون به.

في لوحات الأطفال بدا أن بصيص الأمل كان يتسلل بصعوبة بالغة بين ليال لم يضئ عتمتها الحالكة سوى نيران الصواريخ والقنابل، في وقت كان فيه الأطفال أقرب إلى الموت منهم إلى الحياة.

وتعبر لوحة ناجي البرديني الذي لم يكمل عامه الثاني عشر، عن حكاية اقتراب الموت من أطفال غزة بكل لحظة، عندما كانت طائرات الاستطلاع (وتسمى محليا بالزنانة)، تحلق على ارتفاعات منخفضة، وتقصف من حين لآخر، خلال رحلة هروبه من منزله بدير البلح وسط القطاع.

لوحات الأطفال جسّدت الأمل والانتصار والدمار والمقاومة أيضا (الجزيرة نت)

تجسيد الخوف
ولم تسيطر ملامح الخوف والاضطراب على لوحة ناجي فحسب، لكنها بدت عليه كذلك خلال حديثه عن تلك التفاصيل المؤلمة، حيث كانت تصتك أسنانه وترتعش يداه وتهتز قدماه من دوي انفجارات الصواريخ والقذائف.

يقول الطفل للجزيرة نت إنه لم يستطع الوقوف على قدميه آنذاك، وكلما حاول النهوض للهروب بسرعة مع والديه وأشقائه، كان الرعب والخوف يمنعه من ذلك، حتى اضطرت العائلة إلى التناوب على حمله في بعض الأحيان.

لكن لوحة مها أبو ظاهر ذات الأعوام التسعة، تعبر عن معنى مختلف تماما، بعيدا عن الحرب والدمار، وأكثر التصاقا بالأمل والغد المشرق، من خلال البيت الجديد الذي تحيطه الحديقة الغناء، والطيور الجميلة لا الطائرات والصواريخ.

وبينما تعلو ابتسامة مها وهي تتحدث للجزيرة نت عن حبها للحياة واللعب، تؤكد ببراءة الطفولة على رسالة الفلسطينيين، ورغبتهم في تجاوز تداعيات الحرب القاسية التي مروا بها خلال خمسين يوما.

لوحة تظهر حلم أطفال غزة ببيت جديد وحديقة غناء (الجزيرة نت)

ألوان زاهية
وتقول إنها فضلت اختيار موضوع هذه اللوحة وألوانها الزاهية، لتعكس روح الأمل الذي لا زال يشعر به من تجرعوا مرارة الحرب، وخاضوا تجربة معاناة العيش بمراكز الإيواء.

وتنوعت تفاصيل اللوحات المشاركة في المعرض، بين لوحات تجسد المعاناة أثناء الحرب، كهروب أمٍّ ورضيعها تحت القصف، والبحث عن الأطفال الضحايا بين الركام، والحياة البائسة بمراكز الإيواء، والاتصال الدائم على سيارات الإسعاف.

وفي جانب آخر، كانت لوحات شارة النصر والخروج من تحت الركام، والخنجر الفلسطيني الذي يقسم إسرائيل، علاوة على أسر الجندي الإسرائيلي، وملامح فرحة الانتصار.

وجاء اختيار اسم "شظايا الألوان المتطايرة" للمعرض، لأن أغلب الرسومات التي يعبر عنها الأطفال، كانت تكتظ بالشظايا والدخان بشكل كبير، بينما امتزجت فيها الألوان المفرحة والزاهية، لتدمج الصورة السلبية بألوان إيجابية، بحسب هبة العبادلة، عضو فريق ديرنا الشبابي المنظم للمعرض.

دبكة شعبية خلال حفل افتتاح المعرض في غزة (الجزيرة نت)

تفريغ إيجابي
وتؤكد العبادلة أن المعرض كان محاولة للتفريغ الإيجابي لدى أطفال غزة، من خلال التعبير عن روايتهم وقصتهم مع الحرب عبر لوحات تعرض على أنقاض برج الظافر، وتشير إلى أن اللوحات المشاركة ستطوف في عشرة بلدان أوروبية، لتختصر جزءاً من معاناة الأطفال خلال العدوان الإسرائيلي.

وتقول للجزيرة نت إن المعرض لا يقتصر على جانب التفريغ النفسي فحسب، لكن اللوحات كذلك ستخضع للجنتي تحكيم محلية بغزة ودولية بأوكرانيا، لاختيار أفضل عشر لوحات ومنحها جوائز نقدية متعددة.

وتبين أن اختيار رقم مائة وواحد لوحة لتشارك في المعرض، جاء لتكريم طواقم الإسعاف والطوارئ التي تحمل رقم الاتصال هذا، حيث كان أطفال مراكز الإيواء الذين رسموا هذه اللوحات يحلمون بالاتصال به ليلا.

وتبدي الناشطة المجتمعية فاتن حرب إعجابها بقدرة الأطفال على التعبير عن مشاعرهم بهذا الإبداع، ومهارتهم في اختصار المعاناة عبر بعض الرسومات والألوان.

وتبدي للجزيرة نت استغرابها من استشعار الأطفال لمعالم تحدي الاحتلال، ورغبتهم بالانتصار عليه عبر الاستمرار بالحياة والبحث عن المستقبل، لكن أكثر ما آلمها تفاصيل اللوحات المتعلقة بسيطرة الخوف على الأطفال، وخشية تعرض منازلهم للقصف، وتفضيلهم النوم في الشارع على البيت.

المصدر : الجزيرة