150 جريمة ارتكبتها إسرائيل بحق أطفال غزة باتت موثقة ومدعومة ببيانات شخصية وشهادات ميدانية، لكن هذا لم يكن جهد فريق حقوقي وطني أو دولي، إنما قام به صغار يعتزمون مقاضاة إسرائيل على قصف أقرانهم وهم يمرحون أو يدرسون.

أيمن الجرجاوي-غزة

لا تزال رائحة جثث شهداء حي الشجاعية شرق مدينة غزة تزكم أنف الطفلة الفلسطينية ميد حميد، ويمثُل أمام عينيها مشهد فظيع لصغار قصفتهم إسرائيل أثناء لهوهم على أرجوحة في عيد الفطر المبارك بمخيم الشاطئ غرب المدينة فاستشهدوا على الفور.

والصور التي رأتها الطفلة حميد خلال أيام العدوان الإسرائيلي لم تنقلها محطات التلفزيون إلى العالم.

لكن الطفلة ميد حميد استطاعت وأصدقاؤها في نادي "الصحفي الصغير" توثيق نحو 150 جريمة إسرائيلية بحق الأطفال خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة.

واشتركت حميد مع زملائها في تقديم برامج دعم نفسي للتخفيف من آثار العدوان على الأطفال، تخللها تنظيم حفلات ترفيهية وتوزيع هدايا.

بنت الاثني عشر عاما وثّقت خلال عملها وقت الحرب حالة طفل يبلغ من العمر ثلاثة أعوام، مكث ثلاثة أيام مختبئا دون أكل وشرب تحت أنقاض منزله الذي دمرته الطائرات الإسرائيلية على رؤوس من فيه بحي الشجاعية، قبل أن تنتشله الطواقم الطبية في حالة يرثى لها.

أعضاء النادي يزورون الجرحى الصغار لتوثيق إصاباتهم (الجزيرة نت)

محاكمة المجرمين
وتضع الطفلة -التي تقول إنها سوف تدرس القانون الدولي- نصب عينيها محاكمة القادة الإسرائيليين على جرائمهم بحق أطفال فلسطين، وخرقهم المعاهدات الدولية التي وقعوا عليها لحماية الأطفال والمدنيين وقت الحروب.

تتطلع ميد حميد للقاء الرئيس الأميركي باراك أوباما لـ"إفهامه" ما يدور بغزة جراء تزويد بلاده إسرائيل بالسلاح الفتاك.

ويوثق أطفال النادي الجرائم الإسرائيلية بحق الأطفال بشكل شبه رسمي، إذ إنهم يسجّلون اسم الضحية، وراوي قصته وولي أمره وعمره ومرحلته الدراسية ومكان لجوئه وسكنه وحالته النفسية والجسدية.

عضوا النادي الطفلتان الشقيقتان ضحى وسجى أكدتا للجزيرة نت توثيقهما جريمة بحق الطفل محمد بدران من حي الشجاعية، حيث أدى القصف الإسرائيلي لفقدانه البصر.

لكن بدران ما زال يعتقد حتى اليوم أنه سيبصر بعد إزالة الضمادات الطبية عن عينيه، وفي مكان آخر من الحي وثقت الصغيرتان شهادة الطفلة آلاء سعد التي هربت من القصف العشوائي وهي تدوس على جثث أقاربها الشهداء.

وخلال العدوان الإسرائيلي الأخير، خاطر أعضاء الفريق العشرة بحياتهم، حيث يقول رئيس النادي غسان رضوان للجزيرة نت إنهم ووثقوا نحو 150 جريمة حرب بحق الأطفال من خلال زيارة المناطق المنكوبة كحي الشجاعية.

الموثوقون الصغار يعتزمون مقاضاة إسرائيل على ما اقترفته بحق أقرانهم (الجزيرة)

زيارات ميدانية
كما زار أعضاء الفريق المستشفيات ومراكز الإيواء لتنفيذ برامج دعم نفسي وتوزيع هدايا.

ولم تبدأ هذه التجربة خلال العدوان الأخير، ففي عدوان 2008-2009 كان أعضاء النادي الصغار يصورون خلسة بكاميراتهم أماكن القصف والدمار، ويزورون الأطفال في المستشفيات وبعض البيوت لأخذ إفاداتهم، وهو ما مكنهم من توثيق 30 جريمة حرب في ذلك الوقت، كما يؤكد رضوان.

وبعد انتهاء العدوان لم يُخبئ الأطفال ملفات الجرائم الإسرائيلية في الأدراج، بل سارعوا لعرضها على البرلمانيين والمحامين الدوليين الذين قدموا لغزة، وسافروا بها إلى دول عربية وأوروبية.

وقد التقى الموثقون الصغار بالمحامي الفرنسي الشهير جيل دوفير بمكتبه في مدينة ليون الفرنسية، وأطلعهم على طرق توثيق الجرائم وترجمتها للغات الأخرى، وقال لهم "حتى لو كبرتم حقكم سيصلكم من المحكمة"، كما أفاد به رضوان للجزيرة نت.

ويقول رضوان إن الأطفال أكثر تأثيرًا ومصداقية في عرض الجرائم التي ارتكبت بحقهم من الكبار، ويشير إلى أنهم يقومون بنحو ثلثي التوثيق الرسمي للجرائم، وأنهم على استعداد تام لاستكمال الإجراءات المطلوبة إذا طُلب منهم ذلك.

يذكر أن نادي "الصحفي الصغير" تأسس عام 1997، حيث يضم مجموعة أطفال منتقاة من ذوي الميول الصحفية عام 1997، ويضم في عضويته بعض ضحايا العدوان الإسرائيلي على غزة 2008-2009 أمثال الطفل لؤي صبح الذي أفقدته الصواريخ الإسرائيلية عينيه، والطفلة أميرة القرم، التي بقيت تنزف في منزلها ثلاثة أيام.

ويعتزم النادي -الذي أطلق إذاعة محلية وقناة تلفزيونية على الإنترنت- إصدار نسخة ثانية من كتاب "سفراء صغار"، لسرد قصص أطفال كانوا ضحية للعدوان الإسرائيلي الأخير على القطاع.

وكانت النسخة الأولى من الكتاب احتوت على توثيق قصص ضحايا عدوان 2008-2009، ويقول أعضاء النادي إن غياب الدعم وتراكم الديون عليهم يعطّل عملهم.

المصدر : الجزيرة