يقول مسؤولون ليبيون إن قرار تقنين وتأهيل العمالة المصرية تنظيمي وليس سياسيا، غير أن خبراء مصريين يؤكدون أن العمالة المصرية في ليبيا تتحمل تبعات ممارسات السلطة الحالية المتهمة بمعاداة الثورة الليبية، وأن ما يجري بحق العمال له دوافع سياسية.


دعاء عبد اللطيف-القاهرة

ومبروكة منصور-طرابلس

أعلنت وزارة العمل والتأهيل الليبية إجراءات تنظيم وتقنين وجود العمالة المصرية في ليبيا، وهو ما أثار قلقا بشأن تداعيات القرار، وذهبت تحليلات إلى أنه بداية توتر جديد بين القاهرة وطرابلس، حيث ربط مراقبون القرار الجديد بمسألة اتهام نظام السيسي بتنفيذ عملية عسكرية مشتركة مع دولة الإمارات داخل الأراضي الليبية.

وكانت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية نقلت عن مسؤولين بالإدارة الأميركية أن مصر والإمارات "شنتا غارات جوية سرا ضد المليشيات الإسلامية في طرابلس مرتين خلال الأيام الماضية، في تصعيد كبير للصراع الإقليمي".

ورغم نفي السلطة المصرية قيامها بأي عمليات بليبيا فإن القرار الأخير يفتح باب الترجيحات أمام اعتبار القرار الليبي نوعا من الرد على ممارسات السلطات المصرية بصفة عامة.

لكن وزارة العمل الليبية أرجعت قرارها إلى كثرة أعداد العمالة المصرية ودخولها البلاد بطرق غير مشروعة.

وقالت المتحدثة باسم الوزارة ربيعة عمار للجزيرة نت إن الوزارة "ستركز في تعاقداتها المقبلة على استجلاب عمال من دول جنوب شرق آسيا".

القاعود: القرار جاء ردا على اتهام مصر بقصف ليبيا (الجزيرة نت)
قرار تنظيمي
ولفتت المتحدثة إلى أن القرار جاء فقط "لتنظيم سوق العمل الليبي"، قائلة إن الوزارة "لا علاقة لها بالتداعيات والتجاذبات السياسية الحاصلة".

وأكدت أن الوزارة تسعى لتوسيع فرص التعاقد في كل الاتجاهات بما يوفر لها نظاما خدميا متقدما من كافة دول العالم، مشيرة إلى أن التجربة أثبتت أن الكوادر الطبية المساعدة من دولة الفلبين قادرة وبشكل جيد على إدارة هذه المواقع، والوضع نفسه بالنسبة للعمالة البنغلاديشية المتعاقدة في شركات النظافة.

ومنذ اندلاع الثورة ضد الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي عام 2011 تعاني العمالة المصرية من نقص الحماية في ليبيا، مما أدى إلى ترحيل وهروب الآلاف منها.

وشهد أغسطس/آب الفائت تعثر خروج مصريين من ليبيا بسبب الاشتباكات العنيفة بين المليشيات الإسلامية والقوات الموالية للواء متقاعد خليفة حفتر.
 
وأفادت مصادر مطلعة من مدينة سرت الليبية في حديث للجزيرة نت بأن آلاف العمال المصريين يغادرون المدينة منذ أكثر من شهر بطلب من الحكومة المصرية، بسبب تدهور الأوضاع الأمنية.

ولفت أحمد بيومي -مقاول وصاحب محل لمواد بناء- إلى أن هذه المغادرة "ستؤثر بشكل سلبي في سوق العمالة بالمدينة"، مؤكدا أنها ستتسبب في رفع أجرة العمال بسبب ندرة العمالة.

تهامي: القرار ورقة ضغط سياسي وسيؤثر في الاقتصاد المصري (الجزيرة نت)
مصير مجهول
ولا توجد إحصائية يمكن الاعتماد عليها في حصر عدد العمالة المصرية بليبيا لكثرة أعداد المسافرين غير الشرعيين إليها.

ويرى محمد إسماعيل -أحد العاملين بقطاع البناء في ليبيا- أن مستقبله بات مجهولا في ظل الأوضاع المتصاعدة سواء على مستوى العنف في ليبيا أو على الصعيد الرسمي بعد القرار.

ويقول إسماعيل -الذي يقضي إجازة قصيرة بمحافظته الفيوم- في حديثه للجزيرة نت "الأمر مبهم، مما يجعلني مترددا في السفر إلى ليبيا مرة أخرى"، مضيفا أن الحكومة المصرية "مقصرة في واجبها التأميني نحو رعاياها منذ اشتعال الثورة الليبية". ولفت إلى صعوبة إيجاد عمل في مصر إذا ما عاد إليها بشكل دائم.

ويرى الكاتب الصحفي أحمد القاعود أن التوجه الجديد لوزارة العمل الليبية يأتي بعد "تورط مصر والإمارات في شن غارات جوية على مواقع للثوار في ليبيا لدعم القوات المناصرة للنظام القديم".

ويقول القاعود في حديثه للجزيرة نت إن هذا التوجه يأتي "لإشعار النظام المصري بأن قصفه لليبيا لن يمر دون عقاب".

وتوقع الكاتب الصحفي أن يؤثر القرار في الاقتصاد المصري بقوله إن "إنهاء تعاقد العاملين بليبيا أو جزء منهم سيؤدي لزيادة البطالة والإقامة بمصر دون إنتاج". وخلص إلى أن الأمل يكمن في "تفهم ثوار ليبيا للفارق بين المصريين والنظام الذي يحكمهم".

 آلاف المصريين تم إجلاؤهم من ليبيا جراء الاضطرابات (الجزيرة نت)
ورقة ضغط
وترجح المدرسة بمعهد الدراسات الأفريقية في جامعة القاهرة الدكتورة مروة تهامي أن يكون القرار الليبي "ورقة ضغط سياسي" بالنظر إلى الأضرار الاقتصادية التي ستعاني منها مصر جراء القرار.

وأشارت تهامي -في حديثها للجزيرة نت- إلى صعوبة عملية التقنين والإجلاء للعمال سواء لكثرة عددهم أو لدخول بعضهم الأراضي الليبية بشكل غير شرعي، وفق قولها.

وتساءلت عن الكيفية التي سيتم بها دفع المستحقات المالية للعائدين، مضيفة أن أهم تداعيات القرار هي "مدى قدرة سوق العمل المصري على استيعاب هؤلاء في حال عودة أعداد كبيرة منهم".

قرار تنظيمي
من جهته، لا يرى الباحث بمركز الأهرام للدراسات يسري العزباوي أي تداعيات لتطبيق القرار، واصفا إياه بالتنظيمي والخاص بالدولة الليبية، مستبعدا أن يكون القرار الليبي "مؤشرا على توتر سياسي بين القاهرة وطرابلس".

وتابع "التوتر بين الدولتين قائم بسبب عدم وجود حكومة ليبية مستقرة، ولن يؤثر القرار في علاقات البلدين".

المصدر : الجزيرة