بين البحث عن الرفاه والهرولة نحو التغريب، تتحدد مواقف أقطاب المشهد السياسي في موريتانيا من تغيير عطلة نهاية الأسبوع، فبينما تعتبر المعارضة أن القرار يسيء للثقافة والدين، ترى الأغلبية الحاكمة أنه ضرورة لمواكبة نشاط الأسواق العالمية وتطوير أداء اقتصاد البلاد.

سيد أحمد الخضر

ابتداء من الأربعاء المقبل، يبدأ في موريتانيا سريان مرسوم جديد يقضي بالعمل يوم الجمعة بينما تكون عطلة نهاية الأسبوع يومي السبت والأحد، مما أثار جدلا سياسيا ودينيا واقتصاديا خلال الأسبوعين الأخيرين.

وقد شددت الحكومة على أن هذا المرسوم ضروري لمواكبة الاقتصاد المحلي نشاط الأسواق بمختلف دول العالم، في وقت "يحترم فيه خصوصية الجمعة" لكون العمل ينتهي عند الساعة 12 ظهرا من أجل تمكين الموظفين من الاستعداد للصلاة قبل حلول وقتها بساعتين.

لكن العديد من الأحزابال سياسية استنكرت القرار واعتبرته "استفزازا للشعب ومسا بالمقدس الديني وخطوة في اتجاه الاستلاب الحضاري والعودة إلى عهود الأنظمة التي كانت تعمل على طمس الهوية الثقافية للبلاد".

ولد الحاج الشيخ: القرار إساءة للدين والتاريخ وموريتانيا تعيش حكما فرديا
(الجزيرة نت)

مخططات التغريب
ووفق تقدير حزب الاتحاد والتغيير الموريتاني (حاتم) فإن تغيير العطلة من الجمعة والسبت إلى السبت والأحد يكشف تماهي النظام مع مخططات تهدف إلى التغريب، وقد يكون خطوة في اتجاه استعادة العلاقات مع إسرائيل.

كما استنكر حزب "تواصل" الإسلامي قرار تغيير عطلة نهاية الأسبوع، ورأى فيه تراجعا عن مكتسبات تحققت للشعب الموريتاني.

وفي تصريح للجزيرة نت، شدد محمد غلام ولد الحاج الشيخ نائب رئيس الحزب على أن السبت والأحد عيدان لليهود والنصارى، بينما المجتمع المسلم ينبغي أن تكون إجازته الجمعة، قائلا إن القرار "إساءة للدين والتاريخ".

وفي نظر ولد الحاج الشيخ، يعكس القرار أن موريتانيا تعيش حكما فرديا لأن الموضوع لم يعرض على الأحزاب السياسية والنقابات العمالية، على حد قوله.

أما المؤسسة الدينية الرسمية التي باركت القرار، فقد حمل عليها ولد الحاج الشيخ بشدة واعتبرها "مجرد طابع بريدي يلصق على الظرف بعد اتخاذ القرار"، في إشارة إلى أنها لا تستشار في الشأن العام وتؤيد كل ما تتبناه السلطة بشكل تلقائي، على حد وصفه.

لكن أحمد سالم بن ما يأبى مستشار رئيس الحكومة للشؤون الإسلامية أكد أنه ليس في الشرع ما يستلزم اتخاذ الجمعة عطلة رسمية، وأن القرآن لم يأمر بترك العمل إلا عند النداء للصلاة ليحث على استئنافه بعد الفراغ منها.

بن ما يأبى: ليس في الشرع ما يلزم
بتحديد الجمعة عطلة أسبوعية (الجزيرة نت)

الإسلام والرموز
وفي نظر بن ما يأبى فإن ربط الإجازة بالدين يبدو بعيدا عن روح الإسلام الذي لا يحتفي بالرموز بقدر ما يركز على الجوهر ويحث على النشاط، قائلا إن بعض فقهاء المالكية يكرهون ترك العمل يوم الجمعة حتى لا يعتقد الناس أن له قداسة خاصة عن بقية الأيام.

ويضيف للجزيرة نت أن تحديد ساعات وأيام العطل يندرج ضمن ما لم يرد فيه نص، وترك حسمه لتقدير ولي الأمر الذي دافع عن القرار بكونه يخدم اقتصاد البلاد وعلاقاتها التجارية مع مختلف دول العالم.

ويشير بذلك إلى تدوينات كتبها الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، قال فيها إن القرار يدخل في سياق البحث عن الرفاه وإيجاد الحول، "وإنه لا معنى لأن ننام بينما يستيقظ العالم".

لكن استيقاظ موريتانيا مع العالم أوحتى قبله لن يضيف أمرا ذا بال وفق خبراء رأوا أن اقتصادها يسبح في فلكه الخاص، ولن يتأثر إيجابا أو سلبا بتغيير عطلة نهاية الأسبوع.

ويقول منسق وحدة الاقتصاد بالمركز الموريتاني للدراسات الإستراتيجية صبحي ودادي إن ارتباط السوق المحلية بالاقتصاد العالمي ليس لحظيا، ولن يتأثر بتغيير إجازة نهاية الأسبوع من الجمعة إلى الأحد.

ودادي: الاقتصاد الموريتاني غير مرتبط
لحظيا بالأسواق المالية العالمية
(الجزيرة نت)

البورصة والأرقام
ويبني ودادي هذا الموقف من عدم وجود بورصة في موريتانيا، بما يعني أن العلاقة بالخارج تقتصر على تصدير الحديد واستتيراد السلع، وهو ما لا يتأثر بإغلاق الأسواق المالية يومي السبت والأحد في دول الغرب.

وبالنسبة لودادي، يتأكد هذا الواقع في ظل عدم تقديم الحكومة أرقاما محددة حول الخسائر الناتجة عن اعتماد الجمعة عطلة لنهاية الأسبوع طيلة السنوات الماضية.

أما عن موقف الرأي العام، فقال الكاتب الحافظ الغابد إن في موريتانيا تيارا شعبيا عريضا ضد تغيير العطلة، لكن الأحزاب السياسية لم تحسن توظيف الشارع لحمل الحكومة على التراجع عن القرار، وفق تقديره.

وبينما يؤكد الغابد أن الرفض نابع من بُعد عاطفي وديني يكرس رمزية الجمعة في مجتمع محافظ، يرى أن تبريرات الحكومة في مجملها عامة ولا تستند إلى أرقام اقتصادية مما يؤكد "أن القرار سياسي في المقام الأول".

وفي الوسط العمالي، اعترضت الكنفدرالية الوطنية للشغيلة الموريتانية على مرسوم تغيير العطلة لكونه "يمس الخصوصية الثقافية والدينية للبلد"، ولأنه "غير شرعي" لمخالفته نص المادة 174 من مدونة الشغل القاضي بأن تمنح الإجازة يوم الجمعة.

المصدر : الجزيرة