بدأت حكاية الطفلة الفلسطينية صباح عندما فرت وعائلتها إلى منزل جدها في جباليا شمال قطاع غزة بحثاً عن مكان آمن من القصف الإسرائيلي، لكن القصف لاحق العائلة، فسقطت القذائف عند مدخل منزل جدها خلال هروبهم منه، لتستشهد والدتها وشقيقها وشقيقتها.

محمد عمران-غزة

صباح سليمان (12 عاما) طفلة فلسطينية من غزة، استشهدت والدتها واثنان من إخوتها. وهي تُعد نموذجا لصلابة سكان القطاع وقوتهم وعزيمتهم كبارا وصغارا، إذ يدركون واقع المعركة بين الاحتلال والمقاومة.

لا تقرأ هذه الصلابة والعزيمة من خلال كلماتها التي تجري على لسانها فحسب، فإن تفاصيل وجهها، وحركات يديها ونظرات عينيها، تختصر جزءا من الحقيقة التي تشعر بها وتريد للشعب الفلسطيني ومحبيه أن يدركها.

فالطفلة صباح، تجزم أن قتل الأطفال واستهداف الآباء والأمهات، محاولة إسرائيلية لدفع الفلسطينيين صغاراً وكباراً لتحميل المقاومة مسؤولية ما وصل إليه حالهم جراء العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة.

صباح قررت أن تكون أمًّا لإخوتها تعوضهم عن شهادتها وتوفر احتياجاتهم (الجزيرة)

رغبة لا قهرا
وتتحدث برؤية متفحصة تتجاوز عمرها بكثير، وتتصرف بطريقة الكبار مع والدها وأشقائها، فتحنو على الصغار، وتلبي طلبات الكبار، وتحبس دموعها رغبة لا قهراً، "حتى لا يشمت فيها الأعداء الصهاينة".

وبدأت حكاية صباح، عندما فرت وعائلتها إلى منزل جدها بجباليا شمال القطاع، بحثاً عن مكان آمن من القصف الإسرائيلي، لكن القصف لاحق العائلة حيثما فرت، فسقطت القذائف عند مدخل منزل جدها خلال هروبهم منه، لتستشهد والدتها (35 عاماً) وشقيقها براء (ثلاثة أعوام) وشقيقتها حليمة (عام ونصف).

أمام هذا المشهد الدامع المؤلم، أبدت الطفلة تماسكاً كبيراً وقدرة أكبر على تجاوز المصيبة التي حلت بها وبعائلتها، وبدلاً من الانشغال بالبكاء والعويل، قررت التعامل بإيجابية مع حياتها الجديدة، مع غياب والدتها التي كانت ترتبط بها ارتباطاً وثيقاً.

وتقول للجزيرة نت إنها قررت أن "أكون أماً لإخوتي، أعوضهم عمّا فقدوه بعد استشهادها، وأوفر لهم احتياجاتهم وطلباتهم، وأحنو عليهم وكأنني أمهم بالضبط".

وتقضي الطفلة جزءا أساسيا من وقتها، وهي تلعب مع أشقائها، فتمسح بيديها على رؤوسهم تارة وتحتضنهم تارة أخرى، بينما تنشغل في بعض الأحيان في مساعدتهم على ارتداء ملابسهم وتناول طعامهم وترتيب حقائبهم المدرسية.

والد صباح يشفق عليها من سلوكياتها
وكلماتها التي تتجاوز طفولتها بكثير (الجزيرة)

مهمة ثقيلة
ورغم حرصها الكبير وعملها الدؤوب على ملء الفراغ الذي تركه استشهاد والدتها،  فإن الطفلة تواجه بصعوبات كبيرة في الإجابة عن السؤال الذي لا يتوقف على ألسنة إخوتها، "أين والدتي؟ نريد والدتي"، مما يزيدها إصرارا على مواصلة المشوار وليس نكوصا عن قراراها بمحاولة تعويضهم عن فقدان أمها بشتى الوسائل.

وفي خضم المهمة الثقيلة التي ألقيت على كاهل هذه الطفلة الفلسطينية، تصر على عدم الحديث عن المأساة التي حلت بها وبأمثالها من الأطفال في غزة، لتشير إلى حالة الانتصار التي حققها الشعب الفلسطيني وفق تقديرها.

وبينما تؤكد أن "النصر للمقاومة والمسلمين وليس للاحتلال، لأننا أصحاب حق وأرض، ولو أباد الاحتلال كل غزة، وقتل الأطفال والنساء، لن تتراجع المقاومة"؛ تشير إلى أنها تلمس الإصرار على تجاوز المصيبة من زميلاتها في المدرسة وأقاربها ممن فقدوا أحبائهم.

من جانبه، يشفق والدها محمد سليمان على ابنته، وهي تتصرف كالأم والزوجة رغم طفولتها، فلا تأبه كثيراً لطلباته بالكف عن ترتيب غرف شقيقاتها، أو تحضير الطعام لهم، وممارسة المهام التي كانت تقوم بها أمهم قبل استشهادها.

ويبين أن سلوكيات صباح وحديثها منحه قدرة على التماسك وتحمل أعباء الحياة الجديدة رغم صعوبتها، فلم يعد مقبولاً أن يبدي حزنه أو يجلس لتقليب صور زوجته وابنيه الشهداء أمامها.

ويقول للجزيرة نت إنه يشعر في بعض الأوقات بالحزن والهم، مضيفاً أنها فقدت طفولتها فجأة وتحولت إلى "أم بكل معنى الكلمة".

المصدر : الجزيرة