تقول دراسة أصدرها المركز العربي للدراسات الاجتماعية التطبيقية إن إسرائيل تتجه نحو تجنيد فلسطينيي الداخل عبر خطة تدريجية بدأتها بما يعرف بالخدمة المدنية. ويقول محللون إن السياسيين الفلسطينيين قرروا الدخول في عصيان مدني إذا طبقت إسرائيل هذه الخدمة عنوة.

وديع عواودة-حيفا

تضاعف إسرائيل من جهودها لتطبيق ما يعرف باسم "الخدمة المدنية" على شباب فلسطينيي الداخل الذين يرونه مخططا يمهد لإلحاقهم بالخدمة العسكرية في جيش الاحتلال.

ويجمع قادة العمل السياسي داخل أراضي 48 على خطورة هذا المخطط الذي تعمل إسرائيل على دفعه إلى الأمام بالترغيب، ويهددون بالعصيان المدني إذا أقدمت على فرضه عنوة.

وكانت السلطات الإسرائيلية قد طرحت قبل نحو ست سنوات مشروع "الخدمة المدنية" على الشباب من فلسطينيي الداخل (17% من السكان) لأنهم لا يخدمون في جيش الاحتلال.

ويشمل المخطط تطوع الشباب الفلسطيني في المستشفيات والمدارس والسلطات المحلية وبقية المؤسسات العامة داخل بلداتهم، تحت شعار "تقاسم الأعباء" و"المساواة في الواجبات" كشرط للمساواة في الحقوق.

وتعتمد إسرائيل حتى الآن أسلوب الترغيب لاجتذاب مخطط الخدمة المدنية بتقديم مساعدة مالية شهرية وامتيازات مادية أخرى خاصة لطلاب الجامعات، وهو ما تعتبره نبيلة -وهي فتاة عربية- كافيا لمنح الشرعية على انخراطها في الخدمة المدنية.

وتقول نبيلة ردا على سؤال الجزيرة نت إن والدها يعمل صحفيا ولا يقوى على تأمين نفقات الجامعة لها ولشقيقتها، مشيرة إلى أن الضيق المادي "دفعهما للتطوع في صندوق المرضى داخل بلدتها في إطار الخدمة المدنية".

شحادة: هناك رفض للخدمة المدنية
من كافة القوى والأطياف الفلسطينية
(الجزيرة)

خطة مرحلية
وتتزامن الخدمة المدنية هذه مع محاولات إسرائيلية حثيثة لتجنيد الفلسطينيين المسيحيين في الجيش واختراع "قومية آرامية" لهم بغية سلخهم عن شعبهم وأمتهم.

لكن الفعاليات السياسية والأهلية داخل أراضي 48 ترى أن هذه الخدمة المدنية "مشروع أسرلة" بغلاف مدني، خاصة أن وزارة الدفاع هي التي ترعاه وتشرف على تطبيقه، مما يدلل على دوافع المبادرين به.

الشاب خالد تيتي يؤكد أن الحل يكمن في أطر خاصة للشباب العرب يستطيعون التطوع فيها دون علاقة للمؤسسات الأمنية التي تعمل وفق "خطة مرحلية" لاستدراج الشباب العرب إلى الخدمة في الجيش لاحقا.

وفي حديثه للجزيرة نت طرح تيتي أن تشرف لجنة المتابعة العليا -الهيئة التمثيلية العليا لفلسطينيي الداخل- على المشروع التطوعي وتأهيل طلابهم قبل الجامعة أو انخراطهم في سوق العمل و"ليس من أجل أسرلتهم".

ويتطابق حديث تيتي مع دراسة جديدة صادرة عن المركز العربي للدراسات الاجتماعية التطبيقية "مدى الكرمل"، تؤكد أن الأغلبية الساحقة من قيادات الداخل "متفقة على مبدأ اللجوء إلى العصيان المدني إذا فرضت إسرائيل الخدمة المدنية".

وتقول الدراسة التي حملت عنوان "الفلسطينيون في إسرائيل ومشروع الخدمة المدنية.. قراءات أولية"، إن إسرائيل بدأت منذ العام 2012 الاستعداد لفرض الخدمة المدنية الإلزامية على الشباب العرب.

وتستنتج أن مخطط الخدمة المدنية "يحمل أهدافا سياسية واسعة، ويرمي إلى إضعاف مركبات الهوية القومية الفلسطينية والمطالب السياسية الجماعية"، مضيفة أنه جاء كرد فعل على فشل سياسات الأسرلة والاحتواء التقليدية -خاصة لدى فئة الشباب- كما تجلى في هبة القدس والأقصى عام 2000.

مطانس شحادة:
معارضة مشروع الخدمة المدنية من الحالات القليلة التي تجمع عليها القيادات السياسية والحزبية والأهلية، ومجتمع فلسطينيي الداخل

استغلال الفقر
ويوضح المشرف على الدراسة الباحث مطانس شحادة للجزيرة نت أن القيادات الفلسطينية في الداخل ترى أنها نجحت في منع سن قانون يلزم بالخدمة المدنية.

ومع ذلك ورغم عدم تحول المشروع إلى حالة جارفة، يبدي شحادة تفهمه لتحذيرات بعض القيادات العربية من تزايد عدد المنخرطين في الخدمة المدنية على خلفية استغلال إسرائيل الأوضاع الاقتصادية الصعبة لفلسطينيي الداخل الذين يقع ثلثاهم تحت خط الفقر.

وتابع شحادة "على ما يبدو فإن معارضة مشروع الخدمة المدنية من الحالات القليلة التي تجمع عليها القيادات السياسية والحزبية والأهلية، والمجتمع".

وفي المقابل ينبه الحقوقي الدكتور رائف زريق في الدراسة إلى أن تعامل القيادة السياسية العربية مع قضية الخدمة المدنية "يتسم حتى الآن ببعض التلعثم".

ويفسّر زريق هذا التلعثم بالإشارة إلى أن الوضع ذاته في غاية التعقيد والحساسية، وأن ثمة صعوبة في صياغة موقف سياسي واضح من قضية الخدمة المدنية.

وخلص إلى أن القيادة العربية "صدقت حين عرضت موضوع دولة المواطنين، وتَصدُق اليوم حين ترفض مشروع الخدمة المدنية"، لكن يرى أن ذلك غير كافٍ على الإطلاق.

واعتبر أن التحدي يكمن في صياغة مشروع "يجمع بين دولة المواطنين ورفض الخدمة المدنية المطروحة في آن واحد"، مؤكدا أن هذه هي حدود الخطاب السياسي للعرب في إسرائيل، وأن مهمتهم توسيع هذا الحيز و"هو تحد نظري وسياسي".

المصدر : الجزيرة