أقل من عشرين شخصا هم حصيلة الناجين من غرق مركب تقل نحو 450 مهاجرا غير شرعي معظمهم من الفلسطينيين، لكن الغريب والمثير أن الضحايا راحوا نتيجة عملية إغراق متعمد كما يؤكد ناجون.

أيمن الجرجاوي-غزة

كشف مرصد حقوقي دولي الأحد عن ملابسات حادثة "إغراق" مهربين قاربًا يحمل مئات المهاجرين غير الشرعيين من فلسطين وسوريا ومصر والسودان في المياه الدولية بالبحر الأبيض المتوسط على  بعد نحو ثلاثمائة ميل بحري جنوب شرق مالطا في العاشر من سبتمبر/أيلول الجاري.

وأوضح المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان -ومقره جنيف- أن ما بين 400 و450 شخصًا -بينهم نحو مائة طفل، ومعظمهم من الفلسطينيين- تعرضوا للإغراق المتعمد في عرض البحر، مؤكدًا أن -وفق الإفادات المختلفة وملابسات الحادث- معظم المهاجرين بالقارب فقدوا حياتهم.

وأطلع المرصد الجزيرة نت على معطيات استقاها من شهادات بعض الناجين ومعلومات حصل عليها عبر تواصله مع السلطات في إيطاليا واليونان ومالطا حول "رحلة الموت" منذ بدء التسجيل لعملية الهجرة من قطاع غزة، مرورًا بحادثة الإغراق، وانتهاء بتعامل سلطات تلك الدول مع القضية.

البداية بدمياط
وبحسب المعطيات، فإن فكرة الرحلة بدأت عبر وكالات ومكاتب سياحية في أماكن مختلفة، من ضمنها مكاتب في مصر ووسطاء في غزة، على أساس وعد بالوصول إلى أوروبا بسفن آمنة ومريحة، مقابل مبالغ مختلفة تراوحت بين ألفين وأربعة آلاف دولار.

بعض المهاجرين على متن القارب كانوا من مصر وبعضهم من سوريا، أما المهاجرون من غزة -كان من بينهم عائلات كاملة- فكان العدد الأكبر منهم متواجدا بشكل مسبق في مصر، بينما استطاع آخرون الخروج من القطاع عبر معبر رفح، إما تحت بند العلاج، أو إكمال الدراسة، أو حصل على تأشيرة إلى دولة ما، ومنهم من دفع 1500 دولار للخروج من المعبر، بينما وصل عشرات آخرون عبر أنفاق بين الحدود المصرية مع قطاع غزة، كما توضح شهادات الناجين.

بعد أن تجمع معظم الضحايا في شقق مفروشة بمدينة دمياط المصرية حضرت حافلات كبيرة إلى المكان ونقلتهم إلى شاطئ المدينة وشاطئ الإسكندرية، حيث كانت تنتظرهم قوارب صغيرة للانطلاق صوب قارب آخر في عرض البحر، ويقول الشهود إن بعض ممتلكاتهم سُرقت أثناء نقلهم من الباصات.

وبعد ساعة من الإبحار وصلت القوارب الصغيرة إلى القارب الكبير- الذي يتكون من طبقتين- مساء السبت السادس من سبتمبر/أيلول، وتكدس نحو 250 مهاجرًا في الطابق العلوي وما بين 150 و200 في الطابق السفلي.

حسب إفادة ناجين، ظهر بشكل مفاجئ قارب صغير يحمل اسم "الحاج رزق- دمياط"، وكان على متنه ما بين 5 و10 أشخاص، وعند اقترابهم من المركب  أخذوا يصرخون  بلهجة مصرية، ثم صدموه مرتين أو ثلاث مرات بشكل متعمد

المسير والإغراق
وبعد انطلاق القارب الكبير بساعتين انتقل الركاب إلى قارب آخر بناء على طلب المهربين، وبعد يوم ونصف اليوم من المسير (مساء الاثنين السادس من سبتمبر/أيلول)، انتقل الركاب مرة ثالثة إلى قارب جديد، وفي ذلك الوقت أفاد ناجون بتوقف مضخة المياه، ونفاد الطعام إلا القليل من التمور، وعندما شح الماء بدرجة كبيرة أصبحت الأولوية في الشرب للأطفال.

ويشير الناجون إلى أن المهربين طلبوا من الركاب الانتقال إلى مركب رابع عصر الأربعاء العاشر من سبتمبر/أيلول، وبدا المركب الجديد صغيرًا ومتهالكًا، فرفضوا ذلك، مما أدخلهم في مشادة عنيفة مع المهربين، ثم ما لبث المهربون أن نزلوا على رأي الركاب وواصلوا المسيرة بالمركب نفسه.

وبحسب الإفادة، فإنه وبعد أقل من ساعة، ظهر بشكل مفاجئ قارب صغير يحمل اسم "الحاج رزق-دمياط"، وكان على متنه ما بين 5 و10 أشخاص، وعند اقترابهم من المركب أخذوا يصرخون عليهم بلهجة مصرية، ثم صدموه مرتين أو ثلاث مرات بشكل متعمد رغم صرخات الاستغاثة.

أدت عمليات الصدم إلى فتح ثغرة في القارب تسرب الماء من خلالها إلى داخله فغرق بمن فيه، وحينها كان الأشخاص الذين يستقلون مركب "الحاج رزق" يحومون حول القارب المغرق ليتأكدوا من غرقه، بينما تتعالى ضحكاتهم الساخرة، بحسب أحد الناجين.

المتحدثة باسم المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان مها الحسيني (الجزيرة)

ما بعد الإغراق
توفي عشرات النساء والأطفال فور إغراق المركب، بينما بقي بين 100 و150 شخصًا يتمسكون بأطراف المركب وألواحه العائمة، لكن معظمهم فقدوا حياتهم بسبب الرياح الشديدة والبرد والعطش، وتمكنت مجموعة بين 20 و30 شخصًا من التحلق حول بعضهم البعض حتى نهاية اليوم الثالث، لكنهم ما لبثوا أن تفرقوا في دائرة قطرها ثلاثة كيلومترات على الأقل بسبب ارتفاع الأمواج والرياح.

ويوضح الناجي الفلسطيني شكري العسولي للمرصد، أنه ومع نهاية اليوم الرابع مرت طائرة أطلقت قنابل دخانية سوداء ثم غادرت دون أن تفعل شيئًا لهم، وبعد نحو ساعة، مرت سفينة شحن تنقل حاويات، يعتقد أنها يونانية، فأنقذت سبعة من العائمين على سطح الماء، وبعد نحو تسع ساعات نقلت طائرة مروحية الناجين إلى مستشفى بمدينة "لاكاني" بجزيرة "كريت" اليونانية، إلا أن طفلا عمره تسعة أشهر توفي لاحقًا.

وفي عمليتي إنقاذ، تمكنت سفينة بنمية من إنقاذ فلسطينيين اثنين، ووفق شهادة شاب مصري كان على متن السفينة ووثقها المرصد، فإنه شاهد عشرات الجثث تطفو على الماء، بينما تمكنت سفينة تجارية فرنسية من إنقاذ ثلاثة فلسطينيين ونقلتهم طائرة من خفر السواحل إلى مالطا.

ويوضح المرصد الأورومتوسطي أن الناجين هم: طفلة سورية عمرها عامان، وفتاة سورية (19 عامًا)، وشاب مصري، وثمانية فلسطينيين هم: عبد المجيد نايف الحيلة، ومحمد هشام راضي، وشكري العسولي (اليونان)، وخميس بربخ وشادي الجبري (إيطاليا)، ومأمون دغمش، والأخوان محمد وإبراهيم عوض الله (مالطا).

ويقول إن السلطات المالطية قامت بتمشيط السواحل، وأجرت عملية مسح كاملة للبحث عن مفقودين، دون العثور على أحد، بينما لم تنتشل السلطات الإيطالية أي جثة حتى الآن، مشيرًا إلى أنه خاطب السلطات الإيطالية واليونانية من أجل انتشال جثث الضحايا "إلا أنها لم تفعل".

دعوة للتحقيق
وتبدي المتحدثة باسم المرصد الأورومتوسطي مها الحسيني تخوفها من أن تكون سلطات بعض الدول الأوروبية، لا سيما إيطاليا ومالطا علمت بالكارثة مبكرًا وتجاهلتها للحد من تدفق المهاجرين، مشيرة إلى دعوة وجهها المرصد للاتحاد الأوروبي وإيطاليا ومالطا للعمل المشترك من أجل فتح تحقيق في أسباب وملابسات اكتشاف الحادث بعد أربعة أيام من وقوعها.

وتطالب الحسيني خلال حديثها للجزيرة نت بضرورة فتح تحقيق يتناول كافة الانتهاكات، بدءًا من الأماكن التي انطلق منها هؤلاء المهاجرون، والجهات التي تقوم بالاحتيال عليهم وإغرائهم بوعود غير حقيقية، إلى حادثة إغراق القارب عمدًا، ثم تباطؤ السلطات في إنقاذ الناجين أو انتشال الجثث.

وتحث المتحدثة الاتحاد الأوروبي على تقديم المساعدة العاجلة من أجل العمل على انتشال الجثث، وضمان احترام حق الأسر في معرفة مصير أبنائها الذين غرقوا في البحر.

المصدر : الجزيرة