ألقى العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة بظلاله على مظاهر توديع سكان القطاع الحجاج هذا العام، فقد مزجت "التحنينة" التي يرددها المودعون بين التراث الديني والوطني. كما حمَّل كثير من السكان الحجاج أمانة الدعاء -بالبيت الحرام- ليرفع الله الحصار عنهم.

محمد عمران-غزة

اعتاد سكان قطاع غزة توديع ذويهم الحجاج بما يعرف بالـ"التحنينة"، التي تقوم على مديح النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- إذ يقوم بها أحد المودعين الذين يحفظون بعض العبارات المسجوعة والأبيات الشعرية ذات العلاقة، بينما يردد البقية وراءه بعض الكلمات الموجزة.

والتحنينة تعبير عن حنين وشوق الذاهبين لأداء مناسك الحج، للطواف بالبيت العتيق وزيارة قبر الرسول وصحابته رضوان الله عليهم، وهي مظهر احتفالي يحرص كثيرون على الحفاظ عليه كجزء من التراث الفلسطيني.
ويختصر الاحتفال بالشقيقتين فايزة وعطاف عاشور من خان يونس جنوب القطاع، قبيل مغادرتهما لأداء فريضة الحج، جزءا من تفاصيل "التحنينة"، حيث انتظمت زيارة عشرات النسوة من الأقارب والأصدقاء لمنزلهما، لثلاثة أيام من بعد صلاة العصر وحتى العشاء.

تناول الطعام جزء من حفلة التحنينة (الجزيرة)
احتفال
وتحرص النساء المشاركات بالاحتفال، على ارتداء أجمل ما لديهن من العباءات وغطاء الرأس، ليظهرن وكأنهن في حفل زفاف شعبي، تزيده الزغاريد والأهازيج بهجة.

وبعد تقسيم المودعات -اللواتي يجلسن على شكل دائرة- إلى مجموعتين أو أكثر لترد إحداها على الأخرى تولت شقيقات فايزة وعطاف، توزيع بعض المشروبات والحلوى للمودعين، كجزء من الضيافة المتعددة طيلة جلسة "التحنينة"، لتشمل الشاى والقهوة وتناول طعام العشاء.

ودندنت النسوة المودعات -وهن يهززن رؤوسهن يمنة ويسرة- التحنينة "مدحنا نبينا أول المبتدئ أبو عين كحيلة والحسن والحسين/ حنني يا بنتي والمحنة لله/ كونوا حناين يا نجوم السما ولموا العمايم قبل ما يبوخ الندا/ بحنة ومفاتيح باب محمد مليح/ بخبزك وزيتك ما أسعدك يا حجة تعاودي على بيتك يا إله السما".

ولما بدأت أصوات النساء تبح من "التحنين"، تقدمت إحدى حافظات القرآن الكريم لقراءة آيات من الذكر الحكيم، قبل أن توجه داعية كلمة شرعية للنساء عموماً، وللمقرر أدائهما الحج خصوصاً، تشرح فيها مناسك الحج خطوة خطوة، وتوصيهن بالابتعاد عن الغيبة والنميمة، أو الإتيان بألفاظ وسلوكيات تتنافي من الحج.

وعكس التركيز على الجانب الشرعي إلى جانب العبارات والمظاهر التراثية، تطوراً في طقوس "التحنينة"، يجسد طبيعة أهالي القطاع، الأكثر ميلاً للمحافظة والتدين، بحسب السبعينية أم سعد الله عمران التي اعتادت على قيادة حفلات وداع الحجاج.

وبينما توضح أم سعد الله أن "التحنينة" لا تعكس التمسك بالتراث الفلسطيني فحسب، وإنما تجسد كذلك الرغبة في إظهار الفرحة الكبيرة بالحج خصوصاً بعد الحرب التي ساد فيها الحزن، تؤكد أن وداع الحجاج هذا الموسم، يمزج بين التراث والشريعة الإسلامية والإحساس الوطني.

الشقيقتان فايزة وعطاف قلقتان من مشاق
السفر عبر معبر رفح (الجزيرة)
تخوف
أما الشقيقتان فايزة (52 عاما) وعطاف (53 عاماً)، فلم تغادرهما الابتسامة وهما تستقبلان المودعات، لكن أكثر ما يقلقهما مشاق السفر، حيث تغادران صباح اليوم السبت منزلهما لتنقلا بالحافلات إلى معبر رفح، ومن ثم إلى مطار القاهرة، حيث رحلة الطائرة إلى جدة في صباح اليوم التالي.

وتخشى فايزة من وقوع مشاكل خلال مراحل السفر تعيق وصولهما إلى السعودية في الوقت المحدد، أو أن يتم تأخير فوج الحجاج، جراء بعض الإجراءات المصرية على المعبر، ما قد يحرمهما من قضاء أطول فترة ممكنة ببلاد الحرمين.

وأوضحت فايزة للجزيرة نت أنها حملت بدعوات كثيرة ليفرج الله الكروب عن أهل غزة، ويفك حصارها، وينصرها على عدوها، مؤكدة أن القلائل أوصوها بدعوات خاصة بهم، ما جعلها تشعر بأن تحمل هموم القطاع كله إلى الحرمين الشريفين.

وبينما انشغلت النساء في "التحنينة" داخل المنزل، كان الرجال من أقارب الشقيقتين يجلسون في الخارج، لمشاركتهما فرحتهما بأداء مناسك الحج.

وبدأ أول فوج من الحجاج في مغادرة قطاع غزة يوم الجمعة، على أن يستكمل سفر نحو 2200 حاج يوم الاثنين.

المصدر : الجزيرة