لا تكف سلطات الاحتلال الإسرائيلي عن محاولات إخلاء أراضي الداخل الفلسطيني من سكانه الأصليين لتوطين إسرائيليين مكانهم. وفي سياق مخططات إخلاء المدن الساحلية الفلسطينية تسعى إسرائيل لهدم قرية "دهمش"، غير أن سكان القرية رفضوا الرحيل ونصبوا الخيام وقرروا المقاومة.

محمد محسن وتد-اللد

تعيش عائلة عساف في قرية دهمش -الواقعة بين مدينتي اللد والرملة بالداخل الفلسطيني- هواجس التهجير، وذلك بعد أن التأم شملها عام 1951 بعد أن شردتها فصول النكبة داخل الوطن وفي غزة.

ويعكس حال العائلة واقع من تبقى من فلسطينيي 48 بالمدينتين اللتين يقطنهما نحو خمسين ألف نسمة، إذ تأبى مشاهد اللجوء أن تفارقهم.

وتتطلع إسرائيل لهدم قرية دهمش الممتدة على مساحة 220 دونما، ويقطنها 700 نسمة في 73 منزلا صدرت أوامر هدم وإخلاء بحقها.

وتسابق المؤسسة الإسرائيلية الزمن من أجل تفريغ المدن الساحلية "عكا، وحيفا، ويافا، واللد، والرملة" من الفلسطينيين عبر تضيق الخناق عليهم، وإشهار سلاح هدم المنازل ومصادرة آخر ما تبقى لهم من أراض، ومحاصرتهم بالجدران لعزلهم عن الأحياء السكنية اليهودية.

خط سكة القطار منع التواصل الجغرافي بين الاحياء السكنية بمدينتي اللد والرملة (الجزيرة)
تفريغ وصمود
وعلى خط سكة القطار التي فصلت ومنعت التواصل الجغرافي بين اللد والرملة، تتفاعل وتتصاعد معركة الصمود والبقاء التي تنذر بصدام وانفجار إذا ما أصرت إسرائيل على الهدم والتهجير، حيث تشهد قرية دهمش حراكا شعبيا تبنته لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية بغرض الانتصار لقضية الأرض والمسكن والحفاظ على هوية وعروبة المدن الساحلية.

وتحولت خيمة الاعتصام -التي أقيمت بقرية دهمش بساحات المنازل الصادر ضدها أوامر هدم وفوق الأراضي المهددة بالمصادرة- إلى رمز لصمود فلسطينيي المدن الساحلية التي ما زالت تروي فصول النكبة، ويرفض سكانها اللجوء ومخططات التطهير العرقي ويصرون على البقاء والعودة.

ويقول وليد عساف -أحد سكان دهمش- إن دهمش "تخوض معركة وجود، وتعيش معاناة متواصلة منذ 1995". مضيفا أنها تلخص جوهر الصراع مع إسرائيل، التي تواصل استهداف المدن الساحلية لتفريغها من الفلسطينيين وطمس المعالم العربية والتاريخية وإحكام سيطرتها عليها بالتهويد والاستيطان.

وتابع عساف حديثه للجزيرة نت "نعاني شبح التهجير والتشريد، وفي أي لحظة يمكن للجرافات الإسرائيلية أن تداهم القرية وتقوم بهدم منازلنا، لكننا نؤكد مواصلة النضال والصمود، وعدم التخلى عن أراضينا التي توارثناها أبا عن جد وسنورثها لأولادنا". مؤكدأ أن أي محاولة لإخلاء وهدم القرية "ستولد انفجارا وانتفاضة تتحمل إسرائيل تبعاتها وتداعياتها".

ووسط حالة الترقب والمستقبل المبهم تهمين على سكان القرية مشاعر الارتباط والانتماء للأرض والوطن، وذلك على الرغم من جدران الفصل التي تحاصر الأحياء السكنية العربية وتفصلها عن السكان اليهود.

علاء عساف -أب لخمسة أطفال- يقول إن هذه الجدران "تشكل بيئة طاردة وأشبه بمخيمات اللاجئين، إذ تفتقد لمقومات الحياة وتحرم من الخدمات الأساسية".

وأوضح عساف أن المؤسسة الإسرائيلية تسعى لتهويد المدن الساحلية عن طريق تضييق الحيز على العرب وملاحقتهم بالمحاكم الإسرائيلية وتغريمهم بمبالغ طائلة بذريعة البناء دون تراخيص ومنعهم من التطور والعمران وهدم منازلهم لدفعهم إلى الهجرة القسرية.

جانب من اعتصام نساء وفتيات
القرية رفضا لهدمها
(الجزيرة)
هواجس
ورغم ما تعكسه معركة النضال من دلالات ومعانٍ فإن ميادة عساف تخشى على مصير ومستقبل أطفالها وكل أولاد القرية.

وعبرت ميادة للجزيرة نت عن مخاوفها قائلة "جميع الأطفال ترعرعوا ونشؤوا على هواجس الطرد ومشاهد الدهم والتفتيش لقوات الشرطة التي ما زالت تقتحم المنازل وتتوعد بالهدم، وهو ما ترك تداعيات سلبية على الأطفال الذين يعيشون حالة نفسية مزرية ويتساءلون متى ستهدم منازلنا؟".

واختلطت المشاعر على ميادة ما بين الصمود بالمنزل والقرية وخوض سنوات من النضال الشعبي والإجراءات القضائية التي كلفت عشرات آلاف الدولارات، وبين كونها زوجة وأم لأطفال عليها رعايتهم وتربيتهم، وتساءلت "على ماذا سيتربى الأولاد بظل المخاطر المحدقة وانعدام الأمن والأمان وغياب الاستقرار؟".

وبنظرة ثاقبة وقناعات ثابته، تجيب ياسمين عساف على هذه التساؤلات بالقول "لا يهمنا هدم المنازل والحجر، إسرائيل تريد هدم البشر ومستقبل أولادنا بالمدن الساحلية الفلسطينية، لكننا لن نسمح لها بتحقيق ذلك، ولن نعيش نكبة ثانية".

وأضافت أن تهديدات الهدم والإخلاء "لا تخيفنا، وسنفشل بصمودنا مخططات التطهير العرقي، لن نرحل حتى لو احتلوا القرية ودمروها، سننصب الخيام ونتجذر بالأرض".

المصدر : الجزيرة