تأخر التصديق على مشروع قانون الإرهاب الجديد الذي تقول السلطات إنه يوفر ضمانات أكثر من قانون 2003 الذي صاغه النظام السابق، بسبب التجاذب القائم داخل المجلس الوطني التأسيسي، وكثرة غياب النواب، مما أدى إلى تعليق مناقشة القانون لأجل غير معلوم.

خميس بن بريك-تونس

لم تجد السلطات التونسية بعد الثورة سبيلا لمحاكمة المشتبه بهم في قضايا إرهابية سوى تطبيق قانون الإرهاب لعام 2003 الذي صيغ في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، مما أثار حفيظة جهات حقوقية تعتبر أن القانون جائر.

وتأخر التصديق على مشروع قانون الإرهاب الجديد الذي تقول السلطات إنه يوفر ضمانات أكثر، وذلك بسبب التجاذب القائم داخل المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان) وبسبب كثرة غياب النواب، مما أدى إلى تعليق مناقشة القانون لأجل غير معلوم.

ومع ذلك، فإن السلطات تقول إنّه لا يوجد فراغ قانوني لمحاكمة المشتبه بهم في قضايا الإرهاب، مشيرة إلى سريان مفعول قانون 2003 الذي صاغه نظام بن علي بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول واستخدمه لسحق خصومه والتضييق على الحريات.

أولاد علي: هناك مشتبه بهم في قضايا الإرهاب ضربوا وعذبوا لانتزاع اعترافاتهم (الجزيرة)

إخلال وانتهاكات
وفي السياق، يقول عبد الحميد عبد الله مستشار وزير العدل المكلّف بملف حقوق الإنسان للجزيرة نت، إنّ إحالة المشتبه بهم على القضاء في قضايا الإرهاب يتواصل بموجب قانون 2003 إلى حين إقرار القانون الجديد من قبل المجلس التأسيسي.

لكنّ مواصلة العمل بهذا القانون المثير للجدل دفع بعض الحقوقيين للقول إن إيقاف ومحاكمة المشتبه بهم في قضايا الإرهاب "تتم بطريقة تعسفية ولا تضمن أي شرط من شروط المحاكمة العادلة".

وتواصل السلطات شن حملة اعتقالات في صفوف سلفيين تصفهم بالتشدد وتتهمهم بالانتماء إلى تنظيم أنصار الشريعة المحظور الذي تقول إنه ضالع في هجمات أسفرت عن مقتل أكثر من خمسين عنصرا في الجيش والأمن، لا سيما على الحدود الغربية المحاذية للجزائر.

ويقول رئيس مرصد الحقوق والحريات بتونس أنور أولاد علي إنه بحكم متابعته ملفات المشتبه بهم في قضايا الإرهاب اكتشف أن "هناك إخلالا وانتهاكات جسيمة في إيقاف ومحاكمة المشتبه بهم بموجب قانون 2003".

وكشف أن هناك مشتبها بهم في قضايا الإرهاب تم تعذيبهم من أجل انتزاع اعترافاتهم، مؤكدا أنهم تعرضوا للضرب وأجبروا على الوقوف ساعات طويلة وحرموا من النوم بمراكز إيقاف، وفق أولاد علي.

ومضى قائلا إنّ هناك عشرات الشكاوى بخصوص التعذيب تقدم بها مشتبه بهم إلى القضاء "لكنها لم تتقدم قيد أنملة رغم أن بعض الشكاوى مرّ عليها أكثر من عامين".

من جهته، يقول رئيس كتلة حركة وفاء بالمجلس التأسيسي عبد الرؤوف العيادي للجزيرة نت إنّ "ممارسات النظام السابق عادت بقوة"، مؤكدا تعرض مشتبه بهم في قضايا إرهابية إلى التعذيب.

عبد الله: هناك توجه جديد لدى القضاء يتمثل في التثبت من التهم لتحقيق محاكمة عادلة  (الجزيرة)

محاكمة عادلة
ويرى أنّ استمرار العمل بقانون 2003 "فتح الباب من جديد لعودة الظلم"، مشيرا إلى أنه "قانون استثنائي لا يوفر أي ضمانات قانونية بحيث يصبح فيه المتهم إرهابيا حتى يثبت عكس ذلك".

ورغم أنّ مستشار وزير العدل عبد الحميد عبد الله يقر بأنّ قانون 2003 يتضمن أحكاما فضفاضة يمكنها أن تُحوّل قضية حق عام إلى قضية إرهابية، يؤكد أنه "لا توجد انتهاكات بعد الثورة كما كان في السابق".

ويقول للجزيرة نت، إنه لم يكن يُدقق بالسابق في الأفعال ويحال المتهمون إلى المحاكمة بموجب ذلك القانون، لكن اليوم أصبح هناك توجه جديد لدى القضاء يتمثل في التثبت من التهم والإجراءات من أجل تحقيق محاكمة عادلة.

ويضيف أنّ هناك عددا كبيرا من المتهمين في قضايا إرهابية يطلق سراحهم من قبل القضاء بعد أن يحالوا بقانون 2003، معتبرا أن ذلك "دليل قاطع على أن القضاء يقوم بدور كبير في التحقق من التهم".

وحول وجود شبهات تعذيب، أقرّ عبد الله بتلقي المحكمة الابتدائية بتونس التي تنظر في قضايا الإرهاب شكاوى في هذه المسألة، مشيرا إلى أنّ القضاء أصبح يقبل مثل هذه الشكاوى على عكس ما كان في السابق.

ويقول إنّ الجهة الوحيدة المخولة بالقول إن كان هناك تعذيب أم لا هي القضاء، مؤكدا أنه لا مجال للإفلات من العقاب بالنسبة للمتورطين في التعذيب الذي ينص الدستور التونسي على أنه لا يسقط بمرور الزمن.

المصدر : الجزيرة