لا يعد إحراق سعد بدر نفسه عملا غريبا على الوسط السياسي أو الاجتماعي المصري، فقبيل ثورة 25 يناير حاول مواطنون الانتحار أمام مجلس الوزراء ودار القضاء العالي ونقابة الصحفيين بسبب شكاوى عمالية أو لتردي الأوضاع الاقتصادية.

دعاء عبد اللطيف-القاهرة

تملك اليأس سعد بدر الموظف بهيئة النقل العام المصرية، فأشعل النيران في نفسه أمام مقر مجلس الوزراء بعدما أغلقت جميع طرق عودته للعمل.

فبعد سنوات من تقديمه شكاوى ضد فصله تعسفيا من الهيئة التي عمل بها عقودا، قرر بدر (59 عاما) الأحد الماضي الانتحار، عندما لم يلتفت المسؤولون لشكاواه.

ولا يعد ما فعله موظف النقل العام عملا غريبا على الوسط السياسي أو الاجتماعي المصري، فقبيل ثورة 25 يناير حاول عدد من المواطنين الانتحار أمام مجلس الوزراء ودار القضاء العالي ونقابة الصحفيين، بسبب شكاوى عمالية أو لتردي الأوضاع الاقتصادية.

ولم يكن نجاح ثورة يناير برحيل نظام المخلوع حسني مبارك مبعثا لإحجام المصريين عن الانتحار، فأقدم أشخاص على حرق أنفسهم سواء في عهد المجلس العسكري الذي تولى فترة الحكم الانتقالي أو أثناء حكم الرئيس المعزول محمد مرسي وبعد الانقلاب العسكري في 3 يوليو/تموز 2013، لأسباب اقتصادية واجتماعية.

د. أحمد عبد الله:
لكي تنتقل الدولة من كونها سببا للمشكلة إلى حل لها لا بد أن تحدث ثورة بكل مؤسساتها التي تدفع المواطنين للانتحار

شكاوى عديدة
وبعد نقله لمستشفى قريب من مقر مجلس الوزراء وإسعافه من آثار الحروق، قال بدر في تصريحات صحفية إنه في العام 2010 فصلته دون مبرر هيئة النقل العام التي عمل بها "محصلا". ولفت إلى تقديمه العديد من الشكاوى في العام 2011 لمسؤولين في حكومة الدكتور عصام شرف، ثم حكومة حازم الببلاوي، دون حل لمشكلته.

وأضاف أنه عاود تقديم الشكاوى لمسؤولين في حكومة إبراهيم محلب، لكن تجاهله المسؤولون، فأصابه اليأس مما دفعه للانتحار، حسب قوله.

واقتصر الرد الحكومي على محاولة الانتحار بإعلان مجلس الوزراء التحقيق في الواقعة، مع خفوت إعلامي عن الحادثة إذا ما قورنت بحادثة محاولة انتحار موظف في شركة كهرباء في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي.

وفي واقعة موظف الكهرباء أعربت الرئاسة في أغسطس/آب 2012 عن أسفها وتأكيد متابعتها للحادث وحل الأزمة، لكن وسائل الإعلام المصرية الرسمية والخاصة شنت هجوما على مرسي الذي لم يكمل ثلاثة أشهر في الحكم وقتها.

مسؤولية الدولة
أستاذ الطب النفسي بجامعة الزقازيق الدكتور أحمد عبد الله الذي أعد دراسة مقارنة بين المنتحرين في العامين 2010  و2011، يؤكد انخفاض أعداد المنتحرين في مصر بعد ثورة يناير.

ويقول عبد الله للجزيرة نت إن أجهزة الدولة من أهم أسباب إقبال مواطنين على الانتحار بسبب الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المتردية.

ويشير إلى أن الدولة لكي تنتقل من كونها سببا للمشكلة إلى حل لها لا بد أن تحدث ثورة بكل مؤسساتها التي تدفع المواطنين للانتحار.

السيد: الانقلاب العسكري الذي قتل الآلاف لن يهتم بمحاولة شخص إحراق نفسه (الجزيرة)

ويتابع عبد الله أن المشكلة لدى من يحاول الانتحار تكمن في كونه لا يجد أملا في حل ما يخلصه من الأزمات، فيرى مستقبله مظلما تماما كواقعه.

وعن ملايين المصريين الذين لا يقدمون على الانتحار رغم مواجهتهم لأزمات مشابهة يتعرض لها المنتحرون، يقول عبد الله إن الذين لا يقدمون على الانتحار يتميزون عن المنتحرين بنجاحهم في التعايش مع فكرة فقدان الأمل في حل مشكلاتهم، وبالتالي لا يصابون بالاكتئاب.

تجاهل الفقراء
من جهته، يرى عضو المكتب التنفيذي لمجلس أمناء الثورة عمرو السيد أن النظام الحالي يخدم الرأسماليين والمنتفعين مع تجاهل الفقراء.

ويقول السيد للجزيرة نت إن أجواء ما قبل ثورة 25 يناير تعود بشكل قوي، لافتا إلى تركيز السيسي فى خطاباته على ما وصفه بالكلام المعسول، من أجل دغدغة عواطف الفقراء الذين يشكلون غالبية الشعب المصري.

وعن عدم الاهتمام الحكومي بواقعة حرق المواطن، يوضح أن الانقلاب العسكري لا يهمه سوى تثبيت أركانه، مشيرا إلى أن النظام الذي قتل الآلاف لن يهتم بمحاولة شخص إحراق نفسه.

المصدر : الجزيرة