كانت للتكاليف الباهظة للحرب على غزة وطأتها على المشهد السياسي الإسرائيلي، ويواجه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو خيارات صعبة لتجنب انتخابات مبكرة، حيث يسعى إلى إلقاء جزء كبير من العبء المالي للحرب على الإسرائيليين، الأمر الذي يلقى معارضة سياسية.

محمد محسن وتد-القدس المحتلة

أرجأت الحكومة الإسرائيلية جلسة مناقشة مشروع ميزانية 2015 إلى مطلع شهر أكتوبر/تشرين الأول القادم، في محاولة للوصول إلى تفاهمات وتسويات بين مركبات الائتلاف تحول دون إسقاط الحكومة وإجراء انتخابات مبكرة.

وتأتي تحديات الموازنة في ظل حالة غموض تهيمن على الساحة السياسية الإسرائيلية منذ الحرب على غزة، وبروز إشارات لتقديم موعد الانتخابات إلى نهاية الربيع القادم وليس في موعدها المقرر بعد ثلاث سنوات في حال فشل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في احتواء الأزمة.

وطغت تداعيات الحرب على غزة وإمكانية تجددها والتفكك بين أقطاب الحكومة وأزمة عجز الموازنة على تغطيات الصحف الإسرائيلية، التي تشهد سجالا بشأن خفض المصاريف والميزانية المقترحة لعام 2015 والتي تقدر بحوالي 145 مليار دولار.

ويعارض وزير المالية يائير لبيد فرض ضرائب إضافية على الجمهور، ويصر على الإبقاء على بند ضريبة بقيمة صفر على شراء الشقق السكنية.

السجال الدائر بين نتنياهو ولبيد يلقى اهتماما واسعا في الصحافة الإسرائيلية (الجزيرة)

خفض الإنفاق
ويدعو لبيد لرفع العجز المالي بالموازنة من 2.5% إلى أكثر من 4% من قيمة الناتج القومي، وخفض الإنفاق وميزانيات الوزارات الحكومية بحوالي 2%، ليمكن تغطية نفقات تكاليف العدوان العسكري على غزة، الذي قدّر بحوالي ثلاثة مليار دولار، إضافة إلى ضعف هذا المبلغ خسائر تكبدها الاقتصاد الإسرائيلي.

ورجح محللون أن حزب "هناك مستقبل" الذي يترأسه الوزير لبيد يجد صعوبة في المصادقة على الميزانية، وقد يجد نفسه خارج الائتلاف الحكومي في حال إصرار زعميه على مواقفه وشروطه، وعدم تقديم التنازلات لرئيس الوزراء الذي يصر على رفع ميزانية وزارة الدفاع لتصل إلى عشرين مليار دولار وإنزال ضربات اقتصادية وفرض رزم ضريبية على الجمهور واعتماد مزيد من التقشف في الخدمات المدنية والاجتماعية، وذلك لمنع توسيع إطار العجز بالموازنة.

وشكك المحلل السياسي عكيفا الدار في إدراك نتنياهو خطواته ووجهته السياسية، وبين أن رئيس الوزراء "اعتمد نهج التهرب والمراوغة خلال مسيرته للبقاء على الكرسي، وبات يواجه في هذه المرحلة مشاكل حقيقية حتى داخل معسكره، إذ يخوض صراعا داخليا لاستعادة السيطرة على زمام الأمور في حزب الليكود الذي يترأسه بعد هيمنة وسيطرة أقطاب اليمين وقيادات المستوطنين".

وأوضح الدار في حديثه للجزيرة نت أن المشهد السياسي الإسرائيلي، وفي أعقاب الحرب على غزة وأزمة الموازنة، بات يتسم بالمزيد من الضبابية وانعدام الرؤية، ويواجه الكثير من التحديات الخارجية والأزمات الداخلية التي ما زالت تنتظر وتبحث عن أجوبة وحلول.

الدار لم يستبعد إمكانية تجدد الحرب على غزة لتكون طوق نجاة لحكومة نتنياهو (الجزيرة)

حرب ثانية
ويعتقد الدار أن نتنياهو يسعى جاهدا لتثبيت حكومته ويراهن على حرب ثانية على غزة لتفادي أزمة الموازنة وتخطي الشرخ بين أقطاب ائتلافه. ولم يستبعد الدار إمكانية تجدد الحرب على غزة لتكون طوق نجاة لنتنياهو تمكنه من تمرير الميزانية وإسكات الأصوات المناهضة له وإجراء تغييرات على تركيبة الائتلاف، مبينا أن الحروب كانت دائما الضمان لوحدة والتفاف الشعب الإسرائيلي حول الحكومة.

أما مراسل الشؤون الحزبية والسياسية لصحيفة "هآرتس" يهونتان ليس فيعتقد أن الساحة الحزبية الإسرائيلية التي صعدت من لغة التهديد كوسيلة للضغط واستعراض العضلات لتحقيق مطالبها وأجندتها، باتت وخلافا لتطلعاتها تعيش أجواء تبكير موعد الانتخابات على خلفية أزمة الموازنة ونتيجة لتداعيات الحرب على غزة التي ما زالت تهيمن على المشهد الإسرائيلي.

ويؤكد ليس أنه من غير المستبعد وخلافا لرغبات لقيادات الأحزاب، أن يتحقق سيناريو الانتخابات المبكرة حتى وإن تم التوصل لتفاهمات بالموازنة، وتعمق الركود الاقتصادي وتصاعد غلاء المعيشة.

وعزا المتحدث تلك المشاكل إلى انعدام التناغم الأيديولوجي بين مركبات الائتلاف الحكومي المرشح للتفكك في حال انسحاب حزب "هتنوعا" برئاسة الوزيرة تسيبي ليفني، إذا ما أصر نتنياهو على غلق أفق التسوية مع الفلسطينيين.

المصدر : الجزيرة