يعيش موظفو الحكومة المقالة السابقة بغزة -والبالغ عددهم نحو 45 ألفا- أوضاعا معيشية مأساوية نتيجة عدم تلقيهم رواتب من حكومة التوافق الوطني منذ ثلاثة أشهر، ورغم ذلك فإن أغلبهم مُصرّ على أداء عمله حتى إن لم يتلق راتبا.

أيمن الجرجاوي-غزة

يضّطر ضابط الإسعاف الفلسطيني ماجد البلبيسي لقضاء أطول وقت ممكن خارج بيته خلال اليوم خشية من طلبات أهل بيته، التي لم يعد قادرًا على توفير الحد الأدنى منها بسبب عدم صرف رواتبهم لأشهر عديدة.

البلبيسي حاله كحال نحو 45 ألف موظف عينتهم الحكومة الفلسطينية المقالة في قطاع غزة إبان حكمها، ولم تصرف لهم حكومة التوافق الوطني منذ الإعلان عنها في 2 يونيو/حزيران الماضي أي رواتب، بانتظار لجنة شكلتها لدراسة أوضاعهم.

البلبيسي يقول للجزيرة نت إن أوضاعه المعيشية غاية في السوء، فالديون تتراكم عليه في محلات البقالة والصيدليات، وبات كثير من أصحاب المحلات التجارية يحجمون عن التعامل معه لأنه غير قادر على سداد ديونه.

ورغم أن المسعف كاد أن يستشهد خلال العدوان الإسرائيلي الأخير -حين كان يُخلي الجرحى والشهداء من منازلهم وسط انهمار القذائف الإسرائيلية- فإنه لم يفكر يومًا في ترك عمله الإنساني أو التقصير فيه، ويشير إلى أنه لا ينتظر منّة من حكومة التوافق الفلسطينية، لكنه يريد حقه فقط.

البلبيسي: نريد حقنا فقط
ولا ننتظر منة من حكومة التوافق (الجزيرة)

آمال تتبدد
وعلّق موظفو الحكومة المقالة السابقة آمالا عريضة على حكومة التوافق الوطني حين تشكيلها، ويقول محقق حوادث الطرق في الشرطة الفلسطينية تامر أبو عطايا إن الواقع -بعد أكثر من ثلاثة أشهر على الإعلان عنها- قضى على هذه الآمال.

أبو عطايا -الذي تنتابه الحسرة لعجزه عن توفير متطلبات أبنائه الخمسة- يعيش على الصدقات والمساعدات التي يقدمها له أهل الخير، "فأنا لم أدقّ باب أحد وأسأله شيئًا بحمد الله، وأقول دائمًا يا رب".

ودفع الوضع المعيشي الصعب الذي يعيشه الشرطي أبو عطايا لـ"إغلاق باب الترفيه" عن أبنائه، فهو غير قادر على توفير لقمة العيش، وأصبح اصطحابهم لنزهة قصيرة شيئًا من الترف.

ويقول أبو عطايا للجزيرة نت إن تربيته الإسلامية وحبه لوطنه تمنعه من ترك عمله حتى لو لم يتلق راتبًا، فهو يقدم خدماته للفلسطينيين دون النظر لانتماءاتهم السياسية، ولكن بكاء بعض زملائه غير القادرين على توفير ثمن إيجار الشقة التي يسكنونها يؤثر فيه كثيرًا.

الشرطي تامر أبو عطايا قال إنه لن يترك عمله حتى لو لم يتلق راتبا (الجزيرة)

بدائل أخرى
ولجأ بعض موظفي الحكومة المقالة السابقة للبحث عن بدائل أخرى لتوفير لقمة العيش لأبنائهم، ويوضح رجل الدفاع المدني وليد البطش أنه اضطر للعمل كسائق على سيارة أجرة بعد انتهاء دوامه لتوفير أدنى متطلبات أبنائه.

ولم يعد يتفهم البطش -الذي يعيل أسرة مكونة من تسعة أشخاص- دفع حكومة التوافق رواتب نحو ستين ألف موظف تابع للسلطة الفلسطينية في القطاع وهم يجلسون في البيوت دون عمل، والامتناع عن دفع رواتب الموظفين الذين يقومون بأداء عملهم.

ومع حلول العام الدراسي في غزة، يقول البطش للجزيرة نت إنه غير قادر على توفير احتياجات أبنائه من زي مدرسي وقرطاسية.

ولعل حاجة رجل الدفاع المدني لراتبه تفوق غيره، فمنزله تعرض لأضرار خلال العدوان، واستشهد 26 شخصًا من عائلته في التفاح شرق مدينة غزة، لكنه يؤكد أنه لن يتوقف عن عمله الإنساني حتى لو لم يتلق راتبًا طوال العمر.

البطش اضطر للعمل سائق أجرة بعد انتهاء دوامه لتوفير أدنى متطلبات أبنائه (الجزيرة)

نصف راتب
وأعلنت وزارة المالية في غزة أمس الأربعاء صرف دفعة من مستحقات موظفي الحكومة المقالة السابقة اليوم بمقدار نصف راتب، وقال وكيل الوزارة يوسف الكيالي في تصريح صحفي وصل الجزيرة نت إن وزارته اقترضت من البنوك التي تتعامل معها مبلغًا لصرف دفعة للموظفين.

لكن الناطق باسم مالية حكومة التوافق الفلسطينية في رام الله نفى للجزيرة نت علم وزارته بصرف دفعة من مستحقات موظفي غزة، مؤكدًا عدم حدوث أي تطور في هذا الملف حتى اليوم.

ولم يتلق موظفو غزة رواتب بشكل منتظم قبل الإعلان عن تشكيل حكومة التوافق بتسعة أشهر، بسبب الأزمة المالية التي عانت منها حكومتهم بعد الانقلاب في مصر، فكانت تصرف لهم نصف رواتب ويحوّل الباقي على "المستحقات".

وتقول نقابة موظفي الحكومة المقالة السابقة إن أزمة الرواتب سياسية بالدرجة الأولى، وتحتاج إلى قرار سياسي من الرئيس محمود عباس، داعية لـ"نزع فتيل الأزمة" بعدما أصبح من الصعب على الموظفين الانتظار أكثر من ذلك.

وحذر رئيس النقابة محمد صيام من تصعيد الاحتجاجات والفعاليات النقابية في غزة خلال الأيام المقبلة، في حال عدم الاعتراف بشرعية الموظفين وصرف رواتبهم.

المصدر : الجزيرة