يشتد القصف فيغادرون بيوتهم، وبمجرد إعلان التهدئة ولو لساعات يعودون لمناطقهم وتكتظ بهم الأسواق. إنهم أهل غزة الذين يرون قدرتهم على التأقلم مع تبدل الأحوال جزءا من مقاومة المحتل الذي فشل في كسر إرداتهم في ثلاث حروب.

محمد عمران-غزة

حزمت وديعة أبو جامع (58 عاما) أمتعتها للمغادرة قبيل ساعات من انتهاء التهدئة بين المقاومة والاحتلال، بعد إصرارها على قضاء فترة التهدئة في خيمة إلى جانب ما كان منزلها ببني سهيلا في خان يونس بقطاع غزة، رغم غياب أبسط مقومات الحياة الإنسانية.

لم تمكث الأم الفلسطينية في خيمتها سوى أيام التهدئة الثلاثة، لتعود أدراجها مرة أخرى إلى مركز إيواء بإحدى مدارس أونروا التي لجأت إليها أثناء فترة الحرب إثر تجدد القصف الإسرائيلي على غزة.

وترى وديعة أنها تمتلك مثل بقية الفلسطينيين قدرة كبيرة على التأقلم والتكيف مع تغير الظروف، حيث كانت في منزلها بداية الحرب، ثم فرت منه تحت القصف قبل أن تعود إليه أثناء التهدئة لتجده مدمرا وتسكن بخيمة، وأخيرا غادرت المكان إلى مدرسة تابعة لأونروا.

وتقول للجزيرة نت إنها سرعان ما تكيّف نفسها وأبناءها مع المتغيرات، لأنه لا يوجد وقت طويل للتفكير والإحساس بالظلم أو الإذلال.

التأقلم مع تداعيات الحرب جزء من مقاومة الفلسطينيين لمخططات الاحتلال (الجزيرة)

مقاومة الاحتلال
وترى أن القدرة على التأقلم السريع جزء من إفشال أهدف الاحتلال لتدمير "معنوياتنا أو دفعنا لتحميل المقاومة مسؤولية رحلة النزوح والتشرد التي لا تنتهي".

وتعكس الحرب الإسرائيلية المستمرة ضد غزة وما يتخللها من ساعات وأيام تهدئة قدرة غير مسبوقة للغزيين في الانتقال من مرحلة الحرب إلى التهدئة وبالعكس بطريقة سريعة.

منصور طه هو الآخر عاد مع عائلته للمكوث في إحدى الساحات الخارجية بمستشفى الشفاء بغزة. ويقول إن الناس يلزمون مراكز الإيواء أثناء الحرب، وعند التهدئة يعودون فورا إلى مناطقهم وتكتظ بهم الأسواق لتوفير احتياجاتهم، ثم سرعان ما يعودون لأوضاعهم السابقة بعد استئناف العدوان.

ولا يخفى الفلسطينيون أنهم يواجهون صعوبات في التنقل بأطفالهم من مكان إلى آخر خلال ساعات أو أيام مع عدم توفر الاحتياجات الأساسية لأي أسرة.

أبو هين: تجربة الحرب منحت الفلسطينيين القدرة على التكيف مع تغير الظروف (الجزيرة)

لكنهم يرون أن قدرة الوالدين على الصبر والتأقلم تنعكس على الأبناء الذين يدركون أنهم في معركة تحرير تحتاج إلى التحمل.

تجربة الحرب
ويؤكد أستاذ علم النفس بجامعة الأقصى في غزة الدكتور فضل أبو هين أن الفلسطينيين لديهم تجارب تجعلهم أكثر قدرة على التكيف مع كل الظروف. ويقول إن الواقع يضغط بالسير مع الأحداث أينما تتجه كجزء من الرغبة في الحياة.

ويضيف للجزيرة نت أن تجربة الحرب وتداعياتها مرت على غزة ثلاث مرت خلال فترة وجيزة، وأن سكان القطاع يعيشون في ظل اجتياحات واعتداءات إسرائيلية تؤدي إلى نفس الدمار والتشرد الحالي، "ومن ثم فالتأقلم هو السمة البارزة للناس هنا".

ويشير إلى أن التعاطي مع الكوارث والنكبات يختلف من شعب إلى آخر "فلو حدث لسكان منطقة أخرى جزء مما حصل في غزة لهاجروا وتركوا أماكنهم كما يحدث للإسرائيليين على سبيل المثال".

ويقول إن معايشة تغير الظروف والتمسك بالجذور جزء من مقاومة الاحتلال لدى سكان غزة.

المصدر : الجزيرة