سجل الهلال الأحمر السوداني سابقة بين نظرائه العرب بكونه أول وفد طبي عربي يصل غزة خلال العدوان الإسرائيلي، ليساهم في تقديم يد العون لآلاف الضحايا الذين طالتهم آلة الحرب الإسرائيلية.

 أحمد فياض-غزة

يعيش سكان قطاع غزة أوضاعا مأساوية جراء الهجمة العدوانية الإسرائيلية، وهو ما يتطلب تحركا عربيا للتخفيف من وطأة الظروف الصحية والإنسانية المتفاقمة. وللوقوف على صورة الأوضاع الصحية والإنسانية الناجمة عن العدوان كان للجزيرة نت الحوار الآتي مع رئيس وفد الهلال الأحمر السوداني إلى القطاع محمد سعيد الخليفة، وهو الوفد الطبي العربي الوحيد الموجود هناك.
 
بداية كيف كانت رحلة وصول الوفد السوداني إلى غزة خلال العدوان؟

كان الهلال الأحمر السوداني من أوائل الملبين لنداءات الهلال الأحمر الفلسطيني في بداية الحرب، وقدم بالتنسيق مع الهلال الأحمر الفلسطيني والمصري، وتحرك فجر 23 رمضان إلى القاهرة لكن إجراءات وصول الوفد إلى غزة استغرقت ثمانية أيام، ولم يتمكن الوفد من الحصول على إذن بالدخول لغزة إلا ثاني أيام العيد.
 
 ممن يتشكل الوفد الطبي المرافق وكم يبلغ عدد أفراده؟

عدد أعضاء الوفد الذين وصولوا إلى القاهرة في بداية الأمر كان سبعة أشخاص، في حين أن القائمة كانت تضم 24 كادرا طبيا، ولكن لم نكن على يقين هل ستسمح السلطات المصرية لنا بالدخول أم لا، وعندما صدر الإذن بالدخول استطعنا أن نزيد أعضاء الوفد إلى 12 طبيبا، ونحن نترقب قدوم 12 من الأطباء في قادم الأيام إذا ما سمحت له السطات المصرية بالوصول إلى غزة، ويضم الوفد أطباء في طب الباطنة والصدر والشرايين وثلاثة أخصائيين في جراحة العظام وأخصائيا في جراحة العيون وصيدليا واثنين من ضباط الإسعاف الميدانيين.

وصلت غزة ثاني أيام العيد والحملة العسكرية الإسرائيلية كانت على أوجها، فكيف بدا الوضع الصحي والإنساني وما حاله اليوم؟

عندما وصلنا إلى غزة بدت الطرقات خالية من المواطنين، توجهنا إلى مستشفى الأمل التابع للهلال الأحمر في مدينة خان يونس وإذا به قد تحول إلى ملجأ للأسر المشردة، وفي اليوم التالي توجهنا شمالا إلى مستشفى الشفاء بغزة ووجدنا أن فناء المستشفى والشوارع المحيطة به قد أصبحت ملجأ لكثير من الأسر المشردة.

وعندما باشرنا العمل برفقة الأطقم الطبية الفلسطينية وصلنا في لحظة واحدة أكثر من 150 جريحا من مجزرة سوق الشجاعية، واستمر أطباء الوفد برفقة نظرائهم الفلسطينيين بالعمل حتى الساعة الواحدة من فجر اليوم التالي. وخلال تلقينا للجرحى وقفنا على الوضع الصحي المزرى وانشغال المشفى عن بكرة أبيه في محاولة إنقاذ الجرحى وإدخالهم إلى غرف العمليات المستعجلة والمكتظة بالجرحى، وهو وضع كان في غاية الصعوبة والتعقيد.

وما أن انتهت الأطقم الطبية من تضميد جرحى مجزرة السوق، انتقل الوفد إلى مشفى القدس التابع للهلال الأحمر الفلسطيني، وهناك أجرى عمليات جراحية لعدد من المصابين من عمليات القصف التي استهدفت مناطق جنوب مدينة غزة، وما أن انتهى من تضميد جراح المصابين في تلك المنطقة، حتى تضاعف العدد في منطقة وسط قطاع غزة جراء القصف المدفعي لأحياء سكانية، فتحرك الوفد إلى مستشفى شهداء الأقصى وباشر إلى جانب الأطباء والكوادر الفلسطينية المساعدة في إنقاذ المصابين.

وحين هدأ الوضع في وسط القطاع، وإذا المصابون والشهداء يتوالى سقوطهم في مدينة رفح، وحاول الوفد الوصول إليها، لكنه لم يتمكن من الوصول بعد قصف الاحتلال لسيارتي إسعاف وقتل طواقمهما على الطريق السريع المؤدي إلى رفح مما اضطره للعمل في مستشفى ناصر في مدينة خان يونس، وحاول التخفيف عن كاهل الكوادر الطبية الفلسطينية التي أرهقها التعب والإعياء، وعملت كوادر الهلال الأحمر السوداني في الميدان وتمكنوا من إجلاء جرحى وجثث من منطقة خزاعة وغيرها من مناطق شرق غزة.

هل لمستم أن الأطقم الطبية الفلسطينية قادرة على استيعاب وعلاج الأعداد الكبيرة من الجرحى؟

الكوادر الفلسطينية رغم أنها متمكنة ومدربة إلا أنها كانت منهكة، فتخيل كيف يمكن لإنسان أن يعمل على مدار 24 ساعة ويستمر على هذا المنوال لمدة أربعة أسابيع متواصلة، فيما يتوالى وصول المصابين، وهذه حالات تحتاج إلى عمل أكثر من ثماني أو تسع ساعات داخل غرف العمليات، لأن الكثير من هذه الحالات كانت إصابتها خطرة وبأعداد كبيرة تفوق القدرة الاستيعابية للمشافي، وهو ما جعل من الصعوبة بمكان إخضاعها للتخدير طوال الساعات الثماني.

وهذا الحال جعل الطواقم الطبية الفلسطينية تركز على إنقاذ حياة أكبر قدر ممكن من الجرحى، وعليه فإن الكثير من الحالات تحتاج بعد أن وضعت الحرب أوزارها إلى المزيد من العمليات الجراحية حتى يستكمل أصحابها فرص علاجهم بشكل أفضل. فالوضع في المشافي كان معقدا، لأن العمل كان يجرى تحت ضغط توالي وصول الجرحى وازدحام أقسام الاستقبال بالجرحى والمصابين، حيث كانت تعمل في مشفى الشفاء ست حجرات كغرف عمليات في ذات اللحظة، ومع ذلك كان أمام كل غرفة خمسة أو ستة جرحى على قائمة الانتظار.

كما أن عدم وجود أي وفود طبية من خارج قطاع غزة واضطرار الأطقم الطبية الفلسطينية العمل بنفسها على مدار الساعة جعل صورة الوضع أكثر تعقيدا، وأصبحت مهام إنقاذ المرضى أشبه بالمعجزة، وهو عمل تستحق عليه الأطقم الطبية الفلسطينية في غزة كل ثناء وتقدير.

على ماذا تؤشر طبيعة الإصابات التي أشرفت على علاجها أو معاينتها؟

إن حجم الدمار الذي لحق بالبيوت والممتلكات ينبئ بما حل بالمدنيين الذين تعرضوا لعملية همجية ولقوة مفرطة، فإذا كانت خرسانة المنازل والمساجد تتفتت إلى حصى فما بالك بالبشر الذين تعرضوا للقصف العشوائي، فالكثير من الجرحى وصولوا إلى المشافي مقطعي الأوصال، ويظهر أن المقذوفات التي تستخدمها إسرائيل تدخل إلى جسد المصابين بشكل حلزوني وتصيب الأجسام بتهتكات كثيرة، فتجد العظام مهشمة والأعصاب مقطعة فيما الأوردة والشرايين متهتكة، وهو ما يُصعب على الأطباء سرعة إنجاز عملياتهم الجراحية، لأن الجروح غير منتظمة، وهو ما يؤكد استخدام إسرائيل أسلحة محرمة دوليا تتسبب في إحداث تهتكات في جسم الإنسان وتهدف إلى القتل والتقليل من فرص نجاته.

هل المصابون في مشافي قطاع غزة يحتاجون إلى علاجات أخرى؟

نعم معظم المصابين ممن عولجوا بحاجة إلى عمليات وعلاجات أخرى، لأنهم أصيبوا بجروح مركبة، ويخشى أن تكون عرضة للالتهابات والنزيف، وتحتاج إلى مزيد من الرعاية في أماكن صحية غير مكتظة.

 ما هي الفئات الأكثر استهدافا التي لاحظها وفدكم الطبي أثناء عمله في مشافي غزة؟

كان بارزا أن الأطفال والمسنين هم الأكثر استهدافا خلال الحرب، وهو ما يؤشر على أن الاحتلال الإسرائيلي استباح بقذائفه مناطق سكانية لم يتمكن أطفالها وشيوخها من الإفلات منها.

هل ترى أن الإمكانيات الطبية المتوفرة كافية للتعامل مع تداعيات الحرب؟

نحن نناشد باسم الهلال الأحمر السوداني المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته، وفتح المعابر فورا حتى يتم إجلاء الجرحى ممن يحتاجون عمليات تخصصية، ودخول أكبر عدد ممكن من الطواقم الطبية والمستلزمات والأدوية،  فتبعات ما بعد الحرب ستكون صعبة لأن الكثير من الجرحى يحتاجون ما بين شهر أو شهرين أو أكثر كي يتعافوا، كما أن الكثير من الجرحى بحاجة إلى إعادة تأهيل جسدي ونفسي.

وفد الهلال الأحمر السوداني سبق وعاصر حربي 2008 و2012، فما هو وجه الاختلاف بينهما وهذه الحرب؟

هذه المرة رغم عظم الكارثة لم توجد أي من الطواقم والوفود العربية الطبية والإغاثية سوى وفد الهلال الأحمر السوداني، في حين أن هاتين الحربين كانتا أقل صعوبة من هذه الحرب، ومع ذلك لم تتوقف حركة الوفود العربية الطبية والإغاثية أثناء الحرب وبعدها. كما أن الاحتياج للوفود الإغاثية والطبية والتضامنية مع غزة بات ملحا من أجل مواساة الناس، والوقوف معهم في محنتهم، وأناشد الإخوة المصريين بفتح معبر رفح كي يتاح للوفود بالوصول إلى غزة لمد يد العون للسكان الذين ستبقى تلفهم المعاناة لشهور طويلة.

هل كان بالإمكان إنقاذ مزيد من الجرحى لو توفرت أطقم طبية إضافية؟

لو كان هناك مزيد من الأطقم الطبية المساندة للأطقم الفلسطينية لأنقذت حياة الكثير من الإصابات، كما أن الكثير من الجرحى لقوا حتفهم لصعوبة توفر الممرات الآمنة التي تتيح لهم سبل الوصول إلى المشافي، حتى الطواقم الطبية التي حاولت الدخول لإجلاء المصابين ضُربت واستشهد أفراد طواقمها، وهو ما عمق حجم المأساة.

وأود التأكيد أن جيش الاحتلال لم يسلم أي شيء من عدوانه حتى المؤسسات المحمية بموجب القانون الدولي لم تسلم هي الأخرى، فلم يستثن القصف مقر جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني ولا المستشفيات الفلسطينية، حتى أن موظفي الصليب الأحمر لم يتمكنوا من العمل في مكاتبهم واضطروا للعمل في منازلهم خشية القصف الإسرائيلي، كما لم تسلم مدارس أونروا التي تحمل علم الأمم المتحدة من جرائم الاحتلال، وهو ما يستلزم وقوف المجتمع الدولي أمام مسؤولياته والتدخل لرفع الظلم والقهر عن المدنيين في غزة.

المصدر : الجزيرة