تكشف آثار العدوان الإسرائيلي على غزة جانبا من وحشية جيش الاحتلال غير المحدودة الذي لم يكتفِ بتدمير منزل أحد المواطنين في خان يونس بل نقل ركامه إلى حفرة بعيدة، كما حرمه من مصدر رزقه بتدمير شاحنتين كان يعمل عليهما.

أحمد فياض-شرق خان يونس

فشل المواطن الفلسطيني محمد أبو جامع (50 عاما) في التعرف على أطلال منزله في منطقة الزنة شرق خان يونس والذي أصبح أثرا بعد عين بين منازل أشقائه وجيرانه بسبب العدوان الإسرائيلي، ووجد الرجل صعوبة بالغة في تحديد مكان منزله، مما اضطره إلى الصعود على ما تبقى من أطلال منزل شقيقه ليتبين له أن جرافات الاحتلال اقتلعت منزله المسقوف بالخرسانة المسلحة وألقت بركامه في حفرة كبيرة تبعد عشرات الأمتار عن مكانه الأصلي.

واصطحب أحمد -الابن البكر لأبو جامع- والده إلى مكان ركام المنزل الذي تأكد منه من خلال ألوان بقايا جدرانه البنية الداكنة، لكنه فضل عدم الاقتراب منه، واكتفى بالنظر إليه عن بعد، كي لا يزيده المشهد حسرة على ما أفناه من سني عمره في سبيل تشيده.

لم يدم وقوف أبو أحمد طويلا على أطلال الحي المدمر، وخرج عائدا من حيث أتى وقبل أن تنتهي أول ساعة من ساعات التهدئة السبع التي أعلن الاحتلال الإسرائيلي عن بدء سريانها. وقبل أن ينصرف الرجل سأل ابنه إن كان بالإمكان الحصول على بطاقة الهوية فكان جواب ابنه سريعا أنه يستحيل الوصول إلى أي شيء من حطام المنزل الذي بات مدفونا تحت التراب.

وفي طريق عودة أبو جامع إلى مدرسة تابعة للأونروا التي لجأ إليها هو وأفراد أسرته السبعة في مدينة خان يونس أخذ يتذكر سنوات الشقاء والتعب المتواصل على مدار عشر سنوات وهو يعمل في حقل البناء داخل الخط الأخضر من أجل توفير مسكن يؤوي فيه أفراد عائلته.

 أبو جامع فقد منزله ومصدر رزقه (الجزيرة)

حيرة وهموم
وتهيمن على حديث أبو أحمد تساؤلات كثيرة تتعلق بمستقبل ومصير أسرته بعد أن شطب الاحتلال منزلها عن الوجود والتهمت الأرض كل مدخراته إضافة إلى تدمير شاحنتين هما مصدر رزقه هو وعائلته، ويقول "أين سنذهب؟ ومن أين سنعتاش؟ فعندما خرجنا تحت القصف المدفعي المفاجئ لم نفكر باصطحاب أي شيء من متاعنا، وبالكاد تمكنا من حمل أطفالنا ونسائنا حفاة خشية من أن يطالنا الموت أسوة بجيراننا".

ويتابع أبو أحمد حديثه للجزيرة نت "خطر في بالي فكرة بناء منزلي مرة أخرى من ركام منازل أشقائي، ولكني أدركت أثناء خروجي من الحي المدمر أن ذلك مستحيل فلم تقع عيني على أي شيء يمكن الاستفادة منه، لأن حجم التدمير كبير، ولم تبقَ للناس فرصة الاستفادة من أي شيء، ولم يبقَ لنا ما يكفل لنا العيش، ولم يعد أمامنا من خيار سوى انتظار ما يسد رمقنا من المعونات التي نتلقاها من أونروا والمحسنين".

وتزداد مشاعر أبو أحمد لوعة عندما سألته طفلته وداد البالغة من العمر أربعة أعوام إن كان تمكن من جمع بعض من ألعابها فتسبق دموعه جوابه "لم أجد البيت يا وداد، وإن شاء الله سنشتري لك غيرها بعد توقف الحرب"، وحينها استدركت أم أحمد الموقف وأخذت تنهر طفلتها.

وبعد أن احتضت أم أحمد طفلتها في محاولة لثنيها عن سؤال أبيها عن المنزل وجهت حديثها لزوجها "وبعدين معك يا أبو أحمد، إحنا كنا وين وصرنا وين، سلامتك وسلامتنا ونجاتنا من الموت هي أهم من كل بيوت وأملاك الدنيا"، فيرد زوجها متسائلا "لكن يا أم أحمد، وين بدنا نروح؟"، فترد الزوجة "خليها على الله، فهذا حال كل الناس في غزة، وحالنا أفضل من حال الكثير من الناس الذين دمرت بيوتهم واستُشهد أبناؤهم ولم يبقَ لهم ولا لبيوتهم أثر في هذه الدنيا".

وكان لكلمات أم أحمد وقع السحر على زوجها فقد هدأت من روعه، وختم حديثه بالقول" الحمد لله على هذا الحال وكل حال، اللهم اجعلنا من عبادك الصابرين".

المصدر : الجزيرة