قد تختلف تفاصيل قصص من استشهدوا وأصيبوا في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة من أطفال ونساء وشيوخ وشباب، لكن جميعها تحمل أدلة جديدة على وحشية الاحتلال الذي لاحقت آلتة الحربية من اضطروا إلى النزوح بحثا عن مكان أقل عرضة للقصف.

أيمن الجرجاوي-غزة

لم تكن الشهيدة الفلسطينية أم فادي أبو خوصة تعلم أن نزوحها إلى بيت والدها في مخيم البريج وسط قطاع غزة هربا من القذائف الإسرائيلية التي تساقطت في محيط منزل زوجها في مخيم النصيرات سيكون المحطة الأخيرة في حياتها، حيث لاحقتها آلة الموت الإسرائيلية لتستشهد هناك هي واثنان من أطفالها.

وقبيل العدوان الإسرائيلي كانت الشهيدة أم فادي تعد الأيام بشغف كبير، وتتجهز لاستقبال طفلها الذي احتضنته في أحشائها سبعة أشهر، لكنه "رافقها إلى الجنة قبل أن يرى نور الدنيا"، حسب قول عمته ريم.

وتوضح ريم قائلة إنه في ليلة الثلاثاء 29 يوليو/تموز الماضي حاول أفراد عائلة أبو خوصة اقتناص دقائق الهدوء التي خيّمت على المكان للخلود إلى النوم لعله يريح أجسادهم التي أنهكها العدوان، لكن الطائرات الإسرائيلية كانت تنتظر تمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل للانقضاض على منزلهم البسيط، وتدميره فوق رؤوس العائلة بالكامل.

وتضيف قائلة إن سبعة من أفراد العائلة استشهدوا على الفور وانتُشلت جثامينهم من تحت أنقاض المنزل المدمر، كان بينهم أم فادي واثنان من أطفالها، لكن ومن حسن حظ العائلة أن الطفل فادي (4 سنوات) ووالده إبراهيم (36 عاما) أصيبا بجراح ولم يستشهدا، حيث قذفتهما قوة ضغط انفجار الصاروخ إلى خارج المنزل.

فادي مكث ثلاثة أيام وحيدا في المستشفى حتى تمكن أقرباؤه من الوصول إليه (الجزيرة)

معاناة مضاعفة
وللطفل المصاب فادي حكاية أخرى مع الألم والمعاناة، حين مكث ثلاثة أيام وحيدا يرقد على سرير المستشفى من دون مرافق، وكان الممرضون حينها يتكفلون بعنايته والتهدئة من روعه.

وعلى الجانب الآخر، بذل أقارب الطفل جهدا مضنيا في البحث عنه في مستشفيات وسط القطاع حيث يسكن، دون جدوى، لكنهم استمروا في البحث حتى عثروا عليه بمستشفى الشفاء في مدينة غزة مصابا بكسور وحروق شديدة في جميع أنحاء جسده الصغير.

ويرقد الطفل على سرير يتوسط ثلاثة أسرّة لأطفال أصيبوا خلال العدوان الإسرائيلي بمستشفى الشفاء، بينما تقوم عمته ريم التي كانت بجواره بمحاولة التخفيف من آلامه وترطيب أماكن الحروق التي أصابته في وجهه. ويبدو فادي الذي وضع له الأطباء جبيرتين على قدميه الصغيرتين اللتين كسرتا متألما بشدة جراء الحروق التي يعاني منها، بينما يحاول الالتفات يمينا وشمالا في محاولة للتعرف على بعض أقاربه الذين جاؤوا لزيارته.
 
لكن المعاناة الكبرى هي أن فادي لا يعرف حتى اليوم ما حل بأمه وأشقائه، ويلح كثيرا على من حوله للإتيان بوالدته لاحتضانها والاستئناس بها، لكن طلبه يقابل كل مرة بالتسويف والتأجيل، وتقول عمته ريم "لا مفر من لحظة الحقيقة وإخباره بمصير عائلته".

أما الوالد إبراهيم -الذي أصيب بحروق داخلية وخارجية في أنحاء جسده- فقرر الأطباء تحويله لاستكمال علاجه خارج قطاع غزة بسبب خطورة إصابته، واحتياجه لرعاية صحية خاصة قد لا تتوافر بالمستشفى في هذه الأوقات نتيجة عدد الإصابات الكبير والتي تصله على مدار الساعة.

ومع سفر الوالد للعلاج خارج قطاع غزة، واستشهاد الأم واثنين من أطفالها يبقى فادي واثنان من أشقائه يقاسون مر الحياة وحدهم، فليس لهم بعد اليوم يد لطيفة تحنو عليهم، ولا معيل يوفر لهم احتياجاتهم اليومية.

وليست عائلة أبو خوصة هي الوحيدة، فهناك عشرات العائلات الفلسطينية التي تشتت كثير من أفرادها بفعل العدوان الإسرائيلي على القطاع، فمنهم من غادر الدنيا شهيدا، ومنهم من يرقد للعلاج في مستشفيات غزة جريحا، وآخرون يعالجون خارج القطاع غرباء.

المصدر : الجزيرة