لا تختلف مشاهد الدم والدمار بمدينة رفح الفلسطينية عن غيرها من المناطق التي استهدفها العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة، فالدماء والدمار هناك يكشفان وحشية العدوان مع استمرار انتشال المزيد من جثامين الشهداء.

محمد عمران-رفح


في الطريق من خان يونس إلى رفح الفلسطينية جنوب قطاع غزة، ظل قائد السيارة متردداً في دخول المدينة المعزولة عن محيطها منذ يوم الجمعة الماضي، رغم دخول التهدئة الإنسانية التي أعلنها الاحتلال الاثنين حيز التنفيذ عند العاشرة صباحاً.

بيد أن إصرار الطواقم الصحفية التي رافقتها الجزيرة نت، دفعته إلى الموافقة على اجتياز المسافة التي لا تزيد على عشرة كيلو مترات بين خان يونس ورفح، لكن الرحلة على قصرها كانت محفوفة بخطر الموت، فطائرات الاستطلاع الإسرائيلية تحلق على ارتفاعات منخفضة فوق منطقة الطريق الغربية المؤدية إلى رفح، بينما تكاد تخلو الطريق من الحركة المرورية.

ولدى وصول رفح من مدخلها الشمالي، بدأت معالم الدماء والدمار تتكشف شيئاً فشيئاً، ليس على أرض الواقع فحسب، ولكن من خلال ملامح الناس كذلك، والتي يسيطر على تفاصيل وجوهها الألم والوجع، مع استمرار القصف وانتشال المزيد من جثامين الشهداء.

قصف منزل عائلة زعرب خلف 15 شهيدا  (الجزيرة)

شاهدة على الجريمة
وبينما كانت الطواقم الطبية بمستشفى الكويت التخصصي منشغلة في التعرف على جثامين ثلاثة أطفال انتشلت من تحت ركام منزل بمنطقة الجنينة برفح، خرجت السيدة صفية أبو سنيمة التي ناهزت السبعين من العمر من قسم الاستقبال بعد تلقيها العلاج من إصابات تعرضت لها خلال القصف.

 أما نظراتها وهي تدفع من قبل أحد أحفادها على عربة مقعدين فكانت تتجه نحو جثامين الأطفال المتقطعة، لتسيل الدموع من عينيها ويسيطر الحزن والغضب على تجاعيد وجهها.

وقالت السيدة للجزيرة نت إن نجاتها من الموت في القصف الذي طال شرق رفح، لم يمنحها شعوراً بالارتياح، فالعشرات من الأقارب والجيران الذين شاهدتهم وسمعت صرخاتهم تحت القصف، إما استشهدوا أو أصيبوا. ووصفت ما حدث بـ"المذبحة البشعة" لأهالي مدينة نكبت بفقدانها لأبنائها الأبرياء، مضيفة أن مسرح الجريمة ما زال يكتظ بجثامين الشهداء التي لم تنتشلها الطواقم الطبية في مناطق شرق رفح.

عادل زعرب يعرض جزءاً من أشلاء جثامين أقاربه (الجزيرة)

منطقة أشباح
وحاولت الجزيرة نت الوصول إلى تلك المناطق، لكن مخاطر القصف المدفعي المتقطع حالت دون ذلك، خصوصا وأن الأحياء والشوارع بشرق رفح تحولت إلى ما يشبه منطقة أشباح خالية من سكانها. لكن المشهد بدا مغايرا في غرب المدينة البعيدة عن الحدود مع الاحتلال، فالناس هناك استغلوا فترة التهدئة الإنسانية للتزود باحتياجاتهم من الغذاء والماء والدواء، وظلت تحركاتهم محدودة خشية تعرضهم للقصف.

أما من تعرضت عائلاتهم لمجازر، فقد عاد من تبقى من أقاربهم لتفقد معالم الجريمة، كما هو الحال مع عادل زعرب الذي فقد 15 شخصاً من عائلة رأفت ابن شقيقته في قصف استهدف منزلهم، ليستشهد الأب والأم وأبناؤهما الأربعة ووالدة زوجته وشقيقتاه وستة من أولادهما.

وعلى أنقاض المنزل المدمر، وقف عادل يعرض جزءاً من أشلاء الشهداء التي تناثرت بمحيط المنزل والتصقت على الجدران القريبة، قائلا إن مجزرة عائلة زعرب نموذج مكرر لما حدث مع عائلات كثيرة برفح خلال العدوان الإسرائيلي المستمر ضدها، مضيفا "ما تشهده رفح من مآس راح ضحيتها أكثر من مائتي شهيد وخمسمائة جريح منذ عدة أيام جعل المدينة تعيش في حالة حزن غير مسبوق". ورجح اكتشاف المزيد من جثامين الشهداء المتحللة في حال وقف العدوان، خصوصاً بالمناطق التي تمنع سيارات الإسعاف من دخولها.

المصدر : الجزيرة