في قطاع غزة لا ملجأ من الموت إلا إليه. يترك الناس منازلهم هربا منه فيلاحقهم في المدارس والمستشفيات. هذا الواقع أشعر الأهالي بأن القتل كتب عليهم وأنه لا فائدة من البحث عن النجاة في ظل إصرار إسرائيل على إبادة السكان.

أحمد فياض-غزة

كان الطفل تامر العقاد فرحا وهو يلهو أمام منزله وسط مدينة خان يونس بقطاع غزة، لكن سرعان ما ارتسمت ملامح الخوف على محياه وهو ينظر مشدوها حوله تارة وإلى السماء تارة أخرى، في محاولة لتعقب مصدر دوي انفجارات رجت أرجاء المكان.

تجربة الأيام الماضية تدفع الطفل البالغ من العمر عشر سنوات للاعتقاد مباشرة بأن صوت الانفجارات ناجم عن استهداف أحد المنازل وسقوط ساكنيه بين شهيد وجريح، وهو مشهد يخشى أن يحل به وبذويه وهم نِيام.

يقول العقاد للجزيرة نت إن مشاهد إخراج رجال الإسعاف للأطفال الشهداء من تحت ركام منزل أسرة بريكة القريبة من مكان سكناه جعله يعيش هاجس الخوف من الموت في أي لحظة.

هواجس الطفل هذه حاضرة بين الكبار أيضا، خصوصا أولئك المهجرين عن منازلهم، حيث لا تفارق أحاديثهم قصص نجاتهم من الموت بعد أن وصلوا مراكز المدن فرارا من حمم القذائف والصواريخ.

النجار: لم يعد أمامنا من خيار سوى أن نصاب أو نستشهد (الجزيرة)

جرائم ومجازر
ومع بشاعة الجرائم والمجازر التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق المدنيين، يشعر الكثيرون أن فرص إفلاتهم من العدوان أقل من فرص نجاتهم.

ويعبر عن هذ المعنى الشاب خليل النجار بالقول إنه لم يعد هناك أي ضامن للنجاة من الموت، "فنحن كتبت علينا الحرب مع اليهود حتى يوم الدين، وفي ظل هذه الهجمة لم يعد أمامنا من خيار سوى أن نصاب أو نستشهد".

ويضيف النجار الذي يعمل في مطعم أن فكرة النجاة من الموت باتت تسيطر على ذهنه كي تتاح له فرصة الاستعداد والتدريب واللحاق بركب المقاومة "لأستشهد مقبلا في ميدان الدفاع عن أطفالنا ونسائنا".

ويضيف أنه يهب من نومه مذعورا ويشعر بأن المنزل الذي يسكنه يهتز من تحته وأن أفراد أسرته قد استشهدوا تحت الركام.

وذكر النجار في حديث للجزيرة نت أن هذه الهواجس باتت تتسلل إلى نفسه بعد أن استهدف الاحتلال منزل أسرة أحد أقاربه فقضى أفرادها جميعا تحت ركام المنزل، وهو شعور يتكرر من جديد على وقع صوت القذائف المدفعية والصاروخية.

الخوف والقصف
محمود عمر شاب ثلاثيني وأب لأربعة أطفال يبدو أكثر تشاؤما، ويعبر عن نظرته للحياة بالقول "لم نعد نملك سبل إدارة حياتنا في ظل تصاعد العدوان والتشريد وطغيان الإحساس بالخوف من حمم القذائف وقصف الطائرات التي تطاردنا من مكان لآخر".
أبو نمر: عايشت قصصا مأساوية وأشعر بأن الموت أرحم بنا من الحياة (الجزيرة)

ويضيف محمود الذي يعمل سائقا أنه بات يشعر بأن الموت ينتظره في كل مكان، وأن تفكيره بات ينصب على كيفية ضمان النجاة لأسرته.

ويؤكد للجزيرة نت أن تكرار هذا الحال أكثر من مرة جعله يفضل الموت على الحياة كي لا تأتي اللحظة التي يرى فيها أطفاله أشلاء تحت الركام.

ويقول المسن محمد أبو نمر إن الله كتب له الحياة من جديد بعد أن طوقت القذائف المدفعية منزله من جهاته الأربع في بلدة القرارة شمال شرق خان يونس.

ويضيف أنه عندما خرج من المنزل وشاهد ما لحق بشارع الحي والبيوت المحيطة به من دمار وخراب أيقن أنه نجا من الموت بأعجوبة.

وبعد ما عايشه من قصص مأساوية بات أبو نمر يرى أن الموت أرحم به من الحياة، ويقول "نحن متجمعون بمئات الآلاف في بضع مدارس للأونروا، ومن الوارد أن نباد جميعا أسوة بالمجازر التي ارتكبت بحق غيرنا في مدارس غزة وجباليا ورفح".

المصدر : الجزيرة