بعد سنوات من "المقاومة الناعمة" ضد الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية، تبرز التساؤلات عن إمكانية تحول هذه المقاومة لثورة شعبية في ظل تراجع الحلول السياسية وانتصار المقاومة في غزة، لكن تقديرا يستبعد حدوث ثورة مسلحة ضد الاحتلال في المدى المنظور.

منذ انتهاء انتفاضة الأقصى تعيش الضفة الغربية المحتلة حالة من الهدوء النسبي، وتراجعا كبيرا في ممارسات المقاومة للاحتلال، باستثناء بعض الأشكال التي يمكن وصفها بـ"المقاومة الناعمة"، التي تبرز التساؤلات إن كان من الممكن تحولها إلى "ثورة شعبية" على الاحتلال.

ويضع تقدير إستراتيجي لمركز الزيتونة للدراسات ومقره بيروت ثلاثة سيناريوهات إزاء مستقبل المقاومة بالضفة الغربية.

يتوقع الأول أن تستمر أشكال المقاومة الناعمة التي تنفذ ضدّ الاحتلال منذ سنوات، والثاني أن تتطور أشكال المقاومة الناعمة لتتحول إلى "مقاومة شعبية شاملة غير مسلحة".

في حين يستبعد السيناريو الثالث، وهو دخول الضفة الغربية في مرحلة جديدة من المقاومة المسلحة على غرار المرحلة الثانية من انتفاضة الأقصى.

المقاومة الشعبية والمسلحة تراجعت بالضفة الغربية منذ انتهاء انتفاضة الأقصى (رويترز)

حالة هدوء
ويشير التقدير إلى تراجع أشكال المقاومة للاحتلال بشقيها الشعبي والمسلح في الضفة الغربية منذ انتهاء انتفاضة الأقصى.

حيث يشير إلى أنها اقتصرت على فعاليات مرتبطة ببناء الجدار العازل، أو مقاطعة منتجات المستعمرات، إضافة إلى بعض الأحداث المعزولة التي تحدث من فترة لأخرى كردة فعل على جرائم الاحتلال.

وازدادت حالة الهدوء بعد الانقسام الفلسطيني في يونيو/حزيران 2007، بعد أن أحكمت السلطة الفلسطينية سيطرتها الأمنية على الضفة الغربية، وحظرت نشاطات حركتي المقاومة الإسلامية (حماس) والجهاد الإسلامي.

ويعرض تقدير مركز الزيتونة لعوامل سياسية واقتصادية ووطنية، تمثّل دافعاً للمقاومة في الضفة الغربية بأنواعها المختلفة، منها زيادة الإيمان الشعبي بمشروع المقاومة، خصوصاً بعد العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، وما مثلته المقاومة الفلسطينية في القطاع من رمز للتحرر الفلسطيني وللتصدي لجيش الاحتلال بقوة مؤثرة.

إضافة للتراجع المستمر في الآمال المعقودة على مشروع التسوية والمفاوضات، ووجود جيش الاحتلال عمليا في مناطق الضفة الغربية، مما يمثل إمكانية كبيرة لوجود حالة اشتباك بين المواطنين وجيش الاحتلال، دون اللجوء إلى أنواع من المقاومة التي تؤدي إلى الحروب، وهي "ميزة" غير موجودة في قطاع غزة.

أما العوامل المعيقة للمقاومة في الضفة الغربية -برأي التقدير الإستراتيجي- فتتلخص في تراكمات التجربة النضالية لفلسطينيي الضفة الغربية في انتفاضة الأقصى، حيث قدم أهل الضفة في هذه الانتفاضة عدداً كبيراً من الشهداء والضحايا والمعتقلين والبيوت المهدمة.

إضافة لتفكك البنى التنظيمية والقوة العسكرية لمعظم الفصائل الفلسطينية بعد انتفاضة الأقصى، بفعل الضربات التي تعرضت لها الفصائل من جيش الاحتلال.

السلطة اتخذت قرارا إستراتيجيا بمنع المقاومة الشعبية والمسلحة بالضفة (الأوروبية)

قرار إستراتيجي
إضافة للتضييق الكبير والملاحقات الأمنية التي عانت وتعاني منها حركتا حماس والجهاد الإسلامي من قبل السلطة الفلسطينية، ووجود قرار إستراتيجي للسلطة بمنع كافة أنواع المقاومة في الضفة الغربية باستثناء "المقاومة الناعمة".

ومن العوائق أيضا التغييرات الاجتماعية التي أعقبت انتفاضة الأقصى والانقسام الفلسطيني، وتكبيل المواطن الفلسطيني اقتصادياً بسبب ارتباط السلطة الفلسطينية "عضوياً" بالاحتلال من الناحية الاقتصادية.

ويخلص التقدير لعرض سيناريوهات المستقبل والمتمثلة بالاستمرار في ممارسة المقاومة الناعمة من خلال بعض الفعاليات المناهضة للاحتلال، دون الاشتباك المباشر مع جنوده المنتشرين بالضفة الغربية، وهو سيناريو من المتوقع حدوثه سواء بمفرده أو بالتزامن مع السيناريوهين التاليين، إذ إن فعالياته لا تتعارض معهما.

أو أن تتطور المقاومة الناعمة الموجودة حالياً إلى النوع الثاني وهو المقاومة الشعبية الأكثر إيلاماً وتكلفة على الاحتلال، والتي تشمل قطاعات أكبر من مواطني الضفة الغربية.

لكن التقدير يستبعد اشتعال مقاومة مسلحة في الضفة الغربية في الظروف الراهنة، بالنظر إلى طبيعة الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية في الضفة.

غير أنه يرى أن هذا الخيار يملك أرضية خصبة، خصوصاً إذا ما أعادت السلطة تعريف دورها في ضوء تطبيق برنامج المصالحة الفلسطينية والمشاركة الفاعلة لقوى المقاومة في صناعة القرار الفلسطيني.

المصدر : الجزيرة