النصر له وجوه كثيرة، وعندما تكون المعركة بين طرف متجبر يحظى بدعم دولي كبير، وطرف يبدو مجردا من أي دعم فإن الانتصار يكون لمن صمد وثبت ولم يتزحزح عن تمسكه بالأرض والحرية والكرامة رغم النار والدمار.

أيمن الجرجاوي-غزة

لم يتردد الفلسطيني منصور حجاج عم الشهيدين شحادة ويوسف لحظة واحدة في وصف ما حدث في قطاع غزة بـ"الانتصار النوعي" على إسرائيل، فتعريف النصر والهزيمة في الحالة الفلسطينية يختلف تماما عن ما سواها.

منصور -الذي كان منشغلا مع أقاربه بإزالة ركام أربعة بيوت للعائلة هدمتها إسرائيل على رؤوس سبعة منهم خلال الحرب في منطقة الشعف بحي الشجاعية شرق مدينة غزة- أكد أن صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته في وجه القوة الإسرائيلية المدمرة هما الانتصار، معتبرا أن الهزيمة هي "ألا تجد أحدا في غزة يقف في وجه إسرائيل، وهذا لم يحدث".

ويضيف منصور للجزيرة نت أن هذا الانتصار الفلسطيني لم يكن طارئا، فهو مستمر منذ الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة عام 2005، ومنذ ذلك الحين فشلت إسرائيل في "نسبة صورة الهزيمة لنا، وعجزت عن قتل المقاومين فدمرت الحجر والشجر".

ويدرك الخمسيني الفلسطيني أن المعركة المقبلة في غزة ليست معركة عسكرية في الوقت القريب، بل معركة بناء وإعمار، لكنه يرى أن الجولة المقبلة مع إسرائيل لن تطول كثيرا "لأنها شعرت بالهزيمة المرة في هذه الجولة".

منصور حجاج يرى أن معركة غزة المقبلة هي معركة بناء (الجزيرة نت)

النصر له ثمن
وبينما كان منصور يتحدث عن صمود الفلسطينيين بوجه إسرائيل قاطعه عاهد -شقيق الشهيدين- ليشكو من عدم اكتراث حكومة الوفاق الفلسطينية لمعاناتهم أثناء العدوان وبعده، مشيرا إلى أنهم ما زالوا يمكثون في مدرسة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) منذ تدمير بيوتهم.

ويضيف عاهد (36 عاما) أن "الحكومة لم تلتفت لنا، وحركة حماس أعطتنا ألفي دولار، واللجنة القطرية أعطتنا ألف دولار لأن منازلنا دمرت كليا".

صورة أخرى لشعور الغزيين بالنصر نقلتها منال (37 عاما) زوجة الشهيد محمد جندية وشقيقة الشهيد علي، فقد أحست بأن دماءهما لم تذهب سدى، وأن تضحياتهما كانت أحد أسباب النصر، وعلقت منال قائلة "لا نصر بدون شهداء، وقد اصطفاهما الله من بيننا".

وكانت منال قد فقدت زوجها وشقيقها في اليوم نفسه، وهدم بيتها، ولديها سبعة من الأبناء أصغرهم يبلغ عاما ونصف العام، حيث استشهد زوجها- الذي يعمل موظفا في السلطة الفلسطينية- بصاروخ طائرة إسرائيلية بدون طيار بينما كان في طريقه لصلاة الفجر في المسجد.

غير أن استشهاد زوجها وشقيقها جعلاها أكثر إصرارا على المضي في طريقهما، حيث أكدت أنها ستتفرغ لتربية أبنائها على طريق المقاومة للتقدم أكثر نحو تحرير القدس.

وقالت للجزيرة نت إن "هذه المعركة جعلت الفلسطينيين أكثر قوة لخوض المعركة المقبلة".

أما شعور أمهات الشهداء من المقاومين بالنصر فكان له مذاق خاص، فالحاجة أم الشهيد عامر الفيومي المقاتل في سرايا القدس -الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي- أكدت أن ابنها الذي كان في الأربعين من عمره "اجتهد كثيرا وجاهد لينال الشهادة، فلقي ما تمنى في النهاية".

أم عامر أبدت فخرها باستشهاد ابنها بعد أن أوجع إسرائيل (الجزيرة نت)

حزن الفراق
قالت الحاجة أم عامر -بينما كانت تجلس بين "المهنئات" باستشهاد ابنها"- إن الشعب الفلسطيني هو المنتصر في المعركة بصموده، وإنها تشعر بأن دماء ابنها لم تذهب سدى بعد أن "أوجع إسرائيل".

وتردف قائلة "صحيح أننا حزينون على فراق أبنائنا، ودمعت من أجلهم عيوننا لكنه حزن الفراق فقط (..)، إسرائيل لم تنتصر على المقاتلين فلجأت لقتل الأطفال والنساء وهدمت البيوت على رؤوس أصحابها".

أشعلت الثورة
شعور من نوع آخر تحدثت به أم عصام السكافي التي قالت إنها حزينة لأن ابنها ذا الـ27 عاما استشهد مع 11 من أقاربه بعد أن قصفت الطائرات الإسرائيلية المنزل على رؤوسهم في حي الشجاعية، إذ كانت تتمنى أن يلقى ربه في ميدان المعركة.

وتبدي أم عصام عزيمة قوية على مواصلة المعركة مع إسرائيل، وتقول للجزيرة نت إن الحرب أشعلت فيها جذوة الثورة من جديد، معبرة على فخرها بكون حي الشجاعية تحول "جحيما ونارا" على الجيش الإسرائيلي.

وتقسم السكافي بأن الحرب الإسرائيلية لم تكسر غزة ومقاومتها، بل زادتها قوة لمواصلة المعركة من جديد، وختمت بالقول "دماء أبنائنا لم تذهب هدرا فكانوا فداء للمقاومة، وكلنا فداؤها".

المصدر : الجزيرة