يفني أطفال في عمر الورود أجمل سنوات برائتهم ببيع باقات الياسمين في شوارع العاصمة التونسية، ورغم أن ظروفا اجتماعية قاسية دفعتهم للتحول من مقاعد الدراسة إلى سوق العمل، تعجز الحكومة عن مواجهة ظاهرة تقذف بأعداد كبيرة منهم نحو المجهول.

خميس بن بريك-تونس

تمتزج براءة الطفولة بإحساس بالغبن في عيني الطفل سيف الدين، الذي يقول إن ظروفه القاسية دفعته للانقطاع عن الدراسة والخروج إلى العمل في شوارع العاصمة تونس، ليعيل نفسه وعائلته البائسة.

يتجوّل هذا الطفل الذي لم يبلغ الثالثة عشر من عمره بين السيارات التي تتوقف برهة في الطريق أمام إشارة الضوء الأحمر، حاملا في يده باقات من الياسمين المعروفة بتونس باسم "المشموم".

المارون بالشارع اعتادوا سماع صوت الطفل الخافت وهو ينادي "ياسمين.. ياسمين"، وكأنه يستجدي عطف السائقين ليشتروا منه "المشموم"، الناصع البياض والذي يلقى رواجا كبيرا في الصيف بفضل رائحته الزكية.

بعد إقناعه بأن ما سيقوله مجرد تصريحات للصحافة عن ظروفه التي دفعته لهذا العمل، قبل سيف الدين الحديث للجزيرة نت، إلا أنّ نظراته بقي فيها توجس وحذر.

سيف الدين واحد من عشرات الأطفال الذين يواجهون مصيرا مجهولا (الجزيرة نت)

ظروف صعبة
قال بتلعثم إنه انقطع عن المدرسة من الفصل السابع الابتدائي بسبب ظروفه الاجتماعية الصعبة التي دفعته للنزول إلى العمل وسط الشوارع لمساعدة والده المتقاعد.

وأردف الطفل الذي بدت آثار حرارة الشمس بادية على محياه الشاحب "أريد أن أعيل أبي وعائلتي".

وأشار إلى أنه يحصل على باقات الياسمين من جار له في حي سيدي عمر الشعبي، والذي يبيعه يوميا 50 باقة مقابل 25 دينارا (17 دولارا)، بينما يجني هو ربحا مماثلا علاوة على "البقشيش".

ولم يجب سيف الدين على سؤال عما إذا كان يفكر بالعودة إلى أحضان مقاعد الدراسة، لكن مقابلته للسؤال بابتسامة فيها قدر من الخجل كانت كافية لمعرفة أن طريق الطفل لم تعد تعرف المدرسة.

وتفاقمت ظاهرة "أطفال الياسمين" بشكل لافت بعد الثورة التي أطاحت بنظام زين العابدين بن علي عام 2011، حيث تبدو السلطات التونسية عاجزة عن تقديم الحلول لها، في حين تحاول بعض منظمات المجتمع المدني تقديم مقترحات دون جدوى حتى الآن.

ولم تفلح الجزيرة نت في الحصول على أي رد رسمي رغم اتصالاتها المتكررة بالمسؤولين في كتابة الدولة للمرأة والأسرة، حيث كان الرد دائما أن المكلفين بهذا الملف في "عطلة صيفية".

آخر الاهتمامات
وعن هذا الموضوع يقول رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن الطفولة المعز الشريف إنّ "قضايا الطفولة تأتي في آخر اهتمامات الحكومة والأحزاب السياسية في الوقت الحاضر".

وتابع أنه لا توجد إحصاءات رسمية عن عدد الأطفال الذين يشتغلون في الشوارع بسبب انعدام الرقابة الميدانية من قبل السلطات وضعف الإمكانات التي تمنحها الحكومة لمندوبي الطفولة، كما قال.

وأضاف الشريف أن مندوبي حماية الطفولة الذين لا يتجاوز عددهم 24 شخصا في كامل أرجاء البلاد أصبحوا "مشلولين"، بسبب التضييق عليهم بإجراءات بيروقراطية خانقة من قبل كتابة الدولة للمرأة والأسرة، وفق تعبيره.

وأوضح للجزيرة نت أنّ ظاهرة أطفال الشوارع متفشية منذ زمن بعيد، لكنها تفاقمت أكثر خاصة مع غياب أجهزة الرقابة بعد الثورة الشعبية، مؤكدا أن أغلب هؤلاء الأطفال منقطعون عن الدراسة.

الشريف: هناك عصابات تستغل هؤلاء الأطفال ماديا أو لبيع المخدرات (الجزيرة نت)

عصابات
ويقول إن بعضهم يقع تحت الاستغلال إما من عائلته، وإما من قبل "عصابات تستغلهم ماديا حتى لبيع مواد مخدرة باعتبار أنهم أقل عرضة للتفتيش".

ويؤكد أنه "من الصعب جدا" إعادة الأطفال المنقطعين عن التعليم الذين يجدون أنفسهم يجنون بعض المال في الشوارع إلى مقاعد الدراسة من جديد، لأنهم تعودوا على "الربح السهل".

وعن البرنامج الحكومي لإعانة العائلات المعوزة التي يلجأ أطفالها للعمل في الشوارع، يقول الشريف إنه "فشل في كبح جماح هذه الظاهرة"، مؤكدا أنّ الكثير من الإعانات لا تذهب إلى مستحقيها الفعليين.

ويقول إنّ أخطر ما في الأمر هو ارتفاع عدد أطفال الشوارع الجانحين الذين تحال ملفاتهم بالآلاف على المحاكم بتهم مختلفة كالسرقة أو تعاطي المخدرات "مما يحرمهم نهائيا من العودة للمدرسة ويفتح لهم الباب أمام الانحراف".

المصدر : الجزيرة