جاء رحيل الحقوقي المصري أحمد سيف الإسلام عبد الفتاح ليضع نهاية لرحلة طويلة مع النضال بدأت بمشاركته في قيادة الحركة الطلابية في سبعينيات القرن العشرين، وتواصلت مع احتفاظه دائما بمكان بارز في طليعة المدافعين عن أصحاب المظالم أيا كانت انتماءاتهم.

أنس زكي

تعرض للسجن والتعذيب فكرس حياته للدفاع عن حقوق الإنسان والذود عن المظلومين والمقهورين في مصر، وحمل همّ وطنه بكل أبنائه، فحرص على أن يؤدي رسالته هذه لكل من يستحق بصرف النظر عن انتمائه أو موقفه منه.

ولم تكن الرسالة مرحبا بها من جانب أهل الحكم، فنال الرجل نصيبه من الملاحقة بمختلف أنواعها، لكنه وقف صامدا وإلى جواره أسرة خطفت الأضواء بنضال جميع أفرادها، لكن قلبه لم يحتمل -على ما يبدو- الجمع بين الهم العام الناتج عن أحوال بلاده والهم الخاص المتمثل في سجن الابن علاء والابنة سناء في وقت واحد فتمكن منه المرض وأسلم روحه لبارئها.

إنه الناشط الحقوقي المصري الشهير أحمد سيف الإسلام عبد الفتاح الذي رحل يوم الأربعاء 27 أغسطس/آب 2014 عن عمر يناهز 63 عاما جراء مضاعفات صحية أصابته بعد إجراء عملية في القلب قضى على إثرها أسبوعين في وحدة العناية المركزة بأحد مستشفيات القاهرة.

نشاط طلابي
العلاقة بالسياسة والنضال بدأت مبكرا لدى الشاب الذي شارك في قيادة الحركة الطلابية المصرية إبان دراسته في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة في عقد السبعينيات من القرن الماضي، وجرى اعتقاله وتعذيبه مرات عدة، ولم يمنعه ذلك من السعي لنيل شهادة جامعية ثانية كانت ليسانس الحقوق الذي حصل عليه من الجامعة نفسها عام 1989.

يومان في السجن عام 1972 كانا بدايته مع تجربة الاعتقال المريرة عندما خرج في مظاهرة تطالب بتحرير سيناء، ثم جاءت المرة الثانية بعد عام واحد عندما اعتقل لمشاركته في احتجاج على تأخر الرئيس المصري آنذاك أنور السادات في اتخاذ قرار الحرب على إسرائيل من أجل استرجاع الأرض.

وكما حدث في المرة الأولى، فقد استغرقت الرابعة يومين أيضا ولكن في عام 2011، بينما كان الاعتقال الثالث للرجل هو الأقسى والأكثر تأثيرا، حيث استمر خمس سنوات ابتداء من عام 1983 في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك وذلك بتهمة الانتماء إلى تنظيم يساري، حيث أودع سجن القلعة الذي حكى عنه كثيرا وقال إنه تعرض فيه لتعذيب بشع.

يحكي الرجل أنه كان قادرا على الهرب وتجنب الاعتقال الطويل، مؤكدا أن الأمن نفسه كان سيساعده على ذلك بهدف التخلص من إزعاجه، لكن فضل أن يبقى داخل وطنه ولو في السجن، ليخرج منه وقد تعملقت في نفسه الرغبة في الدفاع عن كل المظلومين والمضطهدين فأصبح حاضرا دائما في محاكم مصر يدافع متطوعا عن هؤلاء من كل اتجاه.

حرص الرجل على مأسسة عمله، فشارك في إنشاء مركز هشام مبارك للقانون عام 1999 وتولى إدارته منذ إنشائه، ومن داخل المركز تم اعتقاله إبان ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011

قائمة واسعة
وتتنوع قائمة من هب سيف الإسلام للدفاع عنهم لتشمل الاشتراكيين الثوريين القريبين من توجهه اليساري، وتمتد كذلك إلى المنتمين لحزب التحرير الإسلامي وكتائب عبد الله عزام والمتهمين بتفجيرات طابا عام 2004، والعمال المنتفضين في احتجاجات شعبية بالمحلة يوم 6 أبريل/نيسان 2008.

وحرص الرجل على مأسسة عمله، فشارك في إنشاء مركز هشام مبارك للقانون عام 1999 وتولى إدارته منذ إنشائه، ومن داخل المركز تم اعتقاله إبان ثورة يناير/كانون الثاني 2011 وبالتحديد في 3 فبراير/شباط الذي شهد ما تعرف بموقعة الجمل، حيث قام الأمن باقتحام المركز واعتقاله ومنعه من رؤية الحقوقيين والصحفيين قبل أن يتم الإفراج عنه بعد يومين.

استمر نضال سيف الإسلام بعد ثورة يناير/كانون الثاني 2011، وتصدى بقوة لقانون التظاهر الذي أصدره عدلي منصور الذي نصّب رئيسا مؤقتا بعد تدخل الجيش لعزل الرئيس المنتخب محمد مرسي، واعتبر في حديث خاص للجزيرة نت أواخر 2013 أن "الشعب المصري يخوض معركة من أجل الحرية ضد أجهزة الأمن والمخابرات التي أعادت ترتيب أوراقها وسيطرت على مفاصل الدولة من جديد".

أسرة مناضلة
لكن المثير في تجربة أحمد سيف الإسلام أنه لم يكتفِ بتقديم جهده لوطنه ومواطنيه، وإنما وهب لهم عائلة شاركته النضال، فابنه علاء هو أحد أبرز الناشطين الشباب في مصر، وكذلك ابنته سناء، وزوجته هي الناشطة والأكاديمية د. ليلى سويف التي كان لها دور كبير في حركة 9 مارس المنادية باستقلال الجامعات، وأخت زوجته هي الكاتبة الشهيرة أهداف سويف.

السنوات الأخيرة خصوصا كانت شاهدا على نضال هذه الأسرة قبل ثورة يناير وبعدها لينتهي الأمر بعلاء محكوما بالسجن لمدة 15 عاما بتهمة التظاهر لرفض المحاكمات العسكرية للمدنيين في فترة ما بعد الانقلاب على الرئيس المعزول محمد مرسي، كما سبق اعتقاله عام 2007 بسبب مشاركته في وقفة احتجاجية تطالب باستقلال القضاء المصري، كما تم حبسه لأيام على ذمة التحقيق عام 2011 بتهمة التحريض والاعتداء على أفراد الجيش في أحداث ماسبيرو.

ولحقت سناء بشقيقها علاء في السجن بتهمة التظاهر، بينما تواصل منى عملها في مناهضة التعذيب ورفض المحاكمات العسكرية للمدنيين، متوقعة اللحاق بشقيقيها في أي وقت.

وكما كان الرجل مدافعا عن كل المظلومين من كل التيارات، فقد نعاه الجميع وبكاه الكثيرون، كيف لا وقد حاول جهده حتى وإن كانت الظروف أقوى منه فانتهى به الأمر لأن يعتذر لابنه علاء لأنه ورّثه السجون والمعتقلات ولم يتمكن من تحقيق أمله في توريثه مجتمعا يحافظ على كرامة الإنسان، لكنه حرص على أن يترك أمنيته بأن ينجح علاء في ما فشل فيه أبوه ويورث ابنه الصغير خالد مجتمعا أفضل في يوم ما.

المصدر : الجزيرة