لا تزال العملية الجوية -التي تعرضت لها العاصمة الليبية طرابلس قبل أيام- تطرح كثيرا من التساؤلات، خاصة بعد تراجع أميركا عن اتهامها مصر والإمارات بتنفيذها. هذا التراجع اعتبره البعض دليلا على علم واشنطن المسبق بالعملية التي أنكرتها مصر والإمارات.

ياسر العرامي-ديترويت

تضاربت الأحاديث والمعلومات بشأن تدخل مصر والإمارات في ليبيا وتنفيذهما هجمات جوية على مواقع تابعة لإسلاميين -يقاتلون مليشيات مسلحة في العاصمة طرابلس- دون إبلاغ الولايات المتحدة.

ونقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤولين أميركيين قولهم إن الدولتين العربيتين "قامتا بضربات جوية سرا في ليبيا، وإن الولايات المتحدة تفاجأت بتصرفات الحليفين المقربين والشريكين العسكريين مصر والإمارات اللتين نفذتا العملية دون إبلاغ واشنطن أو حتى السعي لأخذ موافقتها".

وأضافت مصادر رسمية للصحيفة الأميركية أن الضربات الجوية "أثارت غضب الولايات المتحدة التي اعتبرت أن الضربات يمكن أن تؤجج الصراع الليبي في وقت تسعى فيه الأمم المتحدة والقوى الغربية إلى حل سلمي لأزمتها".

اتهام وتراجع
وعزز هذا الموقف بيان مشترك لكل من الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة، نددت فيه هذه الدول بما اعتبرتها "تدخلات خارجية تغذي الانقسامات وتقوض فرص العملية الديمقراطية في ليبيا".

في الوقت نفسه اتهمت نائبة المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية جنيفر بساكي الإمارات العربية ومصر بشن ضربات جوية في ليبيا خلال الأيام الأخيرة.

الخارجية الأميركية اتهمت مصر والإمارات ثم تراجعت عن اتهامهما (الجزيرة-أرشيف)

لكن ما زاد من غموض هذه العملية، إلى جانب نفي الجانبين المصري والإماراتي تنفيذهما أي هجمات بليبيا، هو التصريحات الأميركية المتضاربة. فقد تراجعت المتحدثة الأميركية عن تصريحاتها التي اتهمت فيها القاهرة وأبو ظبي بشكل مباشر، وأصدرت توضيحا جاء فيه أن التعليق بشأن ليبيا "كان يقصد به الإشارة إلى دول أفادت تقارير بأنها شاركت في العملية".

ويشير هذا الارتباك الأميركي، بحسب مراقبين، إلى أن واشنطن قد تكون أُبلغت سلفاً بالعملية لكنها على ما يبدو تريد أن تُخلي مسؤوليتها ظاهريا من مسألة التدخل في ليبيا.

وتباينت آراء الخبراء والمحللين بشأن هذه القضية، ورأى بعضهم أنه ما كان يمكن للقاهرة وأبو ظبي تنفيذ ضربات جوية بليبيا من دون استشارة واشنطن أو إبلاغها على الأقل، في حين لم يستبعد آخرون إمكانية التدخل دون الرجوع إلى الولايات المتحدة مرجعين ذلك إلى الإحباط الذي تشعر به القاهرة وأبو ظبي من مواقف واشنطن غير الحاسمة.

تشكيك

وقال كبير الباحثين في كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية دانيال سيروير للجزيرة نت إن مصر "تستطيع شن هجمات فعلا داخل ليبيا من دون إبلاغ واشنطن". لكنه رجح أن تكون القاهرة "أبلغت واشنطن سلفاً بالهجمات في ليبيا إن لم تكن قد استشارتها بشأنها".

وعن دلالات وتداعيات هذه الهجمات، رأى سيروير أن المصريين "قد يساعدون القائد العسكري خليفة حفتر ضد الإسلاميين لبعض الوقت الآن"، مضيفا أن الأمر يعني مساعدة من حيث "الدرجة والنوع وليس مساعدة في التوجه السياسي".

سيروير رجح أن تكون القاهرة أبلغت واشنطن سلفاً بالهجمات في ليبيا (الجزيرة نت)

من جهته، اعتبر الباحث في معهد واشنطن سايمون هندرسون أن الضربات المصرية الإماراتية تشير إلى وجود شعور بالإحباط لدى القاهرة وأبو ظبي من عدم اتخاذ الولايات المتحدة إجراءات لتحقيق الاستقرار في ليبيا وعدم تحركها ضد تزايد الفوضى في الشرق الأوسط، وفق تصوره.

ولفت إلى أن المملكة العربية السعودية تشكل العنصر الثالث في هذا المحور الجديد في الشرق الأوسط، مؤكدا أن هذا التصرف "يدعو واشنطن للقيام ببعض أعمال الترميم الدبلوماسي العاجل مع السعودية ومصر والإمارات باعتبار هذه الدول من بين أقرب حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط".

وفي كل الأحوال، فإن اللافت هو فشل الغارات الجوية المصرية الإماراتية في تحقيق أهدافها حيث أفادت التقارير بأن القوى الإسلامية لا تزال تسيطر على مواقعها بما فيها مطار طرابلس.

فشل
واعتبر هندرسون هذا الأمر علامة على "وجود شكوك بشأن كفاءة سلاح جو الإمارات -الذي يعتقد أنه هو من نفذ الهجمات بالتنسيق مع القاهرة- وذلك على الرغم مما يقال عنه إنه أحد الأسلحة الجوية العربية الأفضل تجهيزاً وتدريبا.

وكانت الصحافة الأميركية بدورها قد تناولت التدخل المصري الإماراتي في ليبيا من زاوية أخرى، إذ اعتبرته مؤشرا على تصاعد صراع إقليمي حول مستقبل الشرق الأوسط.

وذهبت بعض الصحف إلى اعتبار ليبيا مسرحا لـ"حرب بالوكالة" بين قوى إقليمية في المنطقة تمثل السعودية ومصر والإمارات أحد أقطابها ويجمع هذه الدول الثلاث هدف مشترك هو "العداء للإسلاميين".

المصدر : الجزيرة