ما بين الاشتباكات والقصف، وجد سكان العاصمة الليبية طرابلس أنفسهم محاصرين ومهددين بالموت بعد أن شملت القذائف بيوتهم أو سقطت بالقرب منها، مما دفع مئات الأسر للنزوح بحثا عن أدنى مقومات الحياة، بل إن بعضها تتنقل من نزوح إلى نزوح.

مبروكة منصور-طرابلس

غادرت سميرة محمد بيتها -الواقع في منطقة الهضبة بالعاصمة الليبية طرابلس- خوفا على أولادها، بعد أن انهالت الصواريخ والقذائف على مشروع الهضبة القريب منهم فأحرقت خزانات النفط وأصابت منازل عدة إصابات مباشرة.

ولم تتمكن السيدة التي تعاني سرطان الرئة من الحصول على جرعة علاجها الكيميائي داخل مركز طرابلس الطبي، فغادرت بطفليها إلى مدينة الزاوية لتتمكن من الحصول الدواء من مركز الأورام القريب منها، غير أن شدة الاشتباكات بالزاوية أجبرتها على الهرب مرة أخرى إلى منطقة أكثر بعدا عن أماكن النزاع شرق طرابلس، دون أن تحصل على جرعتها العلاجية التي تأخرت أكثر من شهر على موعدها.

مجلس طرابلس يقول إن12625 أسرة نزحت من طرابلس (الجزيرة نت)

معاناة مستمرة
حالة سميرة ليست الأولى بين سكان طرابلس، ويبدو أنها لن تكون الأخيرة في ظل تطور الأحداث، فقد اضطرت السيدة نجاة عبد السلام لترك بيتها بمنطقة "السراج" بعد اشتداد الغارات المسلحة وانهيار جزء من البيت، لتجد نفسها في الشارع بعد طردها من قبل العائلة التي استضافتها في مدينة الزاوية، بحسب قولها.

وتقول نجاة للجزيرة نت إنها فوجئت وزوجها بطلب مالك الاستراحة التي أوتهما عدة أيام بإخلائها لحاجته الملحة لها، مؤكدة أنها "لا تملك حتى ثمن الحليب لطفلتها التي لم تتجاوز تسعة أشهر"، وهو ما دعاها للتوجه لمصرف "شمال أفريقيا" بمدينة صبراتة (70 كيلومتراغرب طرابلس) لسحب ما تبقى لهما من رصيد وهو 45 دينارا (قرابة 35 دولارا).

ووفق السيدة فإن هذا المبلغ كفيل بحل مشكلة طفلتها وتوفير علبة حليب واحدة وحفاظات وبضع لترات من الماء والسكن داخل سيارتهما إلى حين فتح الطريق بين طرابلس والسراج حيث تقع الاشتباكات.

ونشر موقع مجلس طرابلس المحلي إحصائية تبين أن عدد الأسر النازحة من المدينة جراء الاقتتال -الذي خلف دمارا كاملا في عدد من المنازل والممتلكات والأرواح للأهالي- بلغ 12625 أسرة من 13 بلدية مسجلة لدى مجلس طرابلس الكبرى.

الأسر تتنقل بين المدن بحثا عن مأوى (الجزيرة نت)

ليس حقيقيا
ويضيف عضو لجنة الأزمة من مجلس طرابلس المحلي ناصر الكويري للجزيرة نت أن هذا العدد "لا يمثل العدد الحقيقي للأسر النازحة"، مشيرا إلى أن هناك عائلات لم تقم بالتسجيل لدى مكاتب لجان الأزمة بالمدن التي يصلون إليها.

ونوه الكويري إلى أن عدد الأسر المسجلة لدى لجان الأزمة من منطقة مشروع الهضبة الخضراء على سبيل المثال لم يتعدى ثلاث أسر، في حين أن المنطقة "أخليت بالكامل من سكانها".

ولفت إلى محاولات المجلس مواجهة هذه الأزمة، وقال إنهم اعتمدوا خططا تبدأ بحصرها عبر مكاتب الشؤون الاجتماعية لامتلاكها 13 مكتبا موزعا على 13 بلدية من أصل 17 بلدية حصلت فيها اشتباكات إلى جانب فرق الكشافة في عدد من البلديات التي أوكلت إليها مهمة تسكين هذه العائلات، في حين أوكلت مهمة توزيع المعونات الغذائية التي توفرها وزارة الاقتصاد لفرق الهلال الأحمر.

لجنة أزمة
وأوضح أن لجان الأزمة تحاول أن تنتقل للمرحلة الثانية من حلولها بعد أن "ساهمت بشكل كبير في خفض حدة أزمة الوقود بنوعيه البنزين والنفط إلى جانب غاز الطهي، وحل إشكالية المواصلات بتوفير حافلات نقل جماعية مجانية بالتعاون مع شركات النقل العامة، وحل أزمة المصارف المغلقة بتوفير السيولة للموظفين القائمين بهذا العمل، وحل أزمة انقطاع التيار الكهربائي ونقص المياه".

وبحسب عضو لجنة الأزمة، فإن المرحلة الثانية تتلخص في حصر الأضرار الناجمة عن الاشتباكات بعد أن بدأت العائلات بالعودة لمنازلها إثر هدوء الأوضاع بشكل نسبي، حسب قوله، مبينا أن هذه الأضرار تشمل منازل وأملاك العائلات من مبان ومزارع ومواش وحيوانات مختلفة.

وأشار إلى أن الإشكالية التي تواجه المجلس حاليا هي "إيجاد طرق مثلى لإزالة مخلفات الاقتتال من ركام المباني والحيوانات النافقة والأشجار، خاصة بمنطقة قصر بن غشير إضافة لمخلفات القتال من أسلحة وغيرها".

وفي هذا الصدد يقول الكويري إنهم سيحصرون الأضرار لتقديمها للجهات المعنية بتعويض هذه الأسر عما لحق بها من أضرار لا علاقة لهم بها.

المصدر : الجزيرة