كان الليل ملجأ كثيرين من سكان مدينة درعا الذين يهربون من البراميل المتفجرة التي تنثر الموت نهارا، غير أن النظام قرر حرمانهم حتى من ساعات الأمن القليلة التي يقتنصونها وبدأ يلقي عليهم البراميل ليلا، فباتوا ينامون وآذانهم تترقب صوت الطائرات.

مهران الديري-ريف درعا

ما إن يقترب دوي الطائرة المروحية عند منتصف الليل حتى تسارع أسرة الطفلة عرين بإيقاظها من النوم والنزول بها للطابق السفلي بحثا عن شيء من الأمان، حيث تكتفي بوضع وسادتها فوق جسدها وتكمل نومها الممزوج بالخوف، كما تقول.

عرين ذات الـ11 ربيعا تقول للجزيرة نت "لا أخاف من الطائرة عندما تأتي نهارا لأنني أستطيع رؤيتها بل وأراقب البراميل المتفجرة أثناء سقوطها، لكن في الليل يكون صوت الطائرة مرعبا وكذلك صوت نزول البرميل".

ويقول بعض سكان درعا الذين اعتادوا ترك منازلهم صباح كل يوم، وتحديدا في المواعيد المعتادة لقدوم الطيران المروحي إنه "لا يمكن مقارنة الخوف والرعب اللذين يثيرهما الطيران الليلي بالنهاري، ففي الليل يسيطر الرعب على الناس بمجرد سماع صوت المروحية".

وعادة ما يستهدف الطيران المروحي مدن وقرى حوران في مواعيد محددة من كل يوم، وهو ما أجبر الناس على ترك منازلهم والفرار للسهول طوال النهار، غير أن الطيران الليلي زاد الموقف تعقيدا وجعل كثيرين يتراجعون عن فكرة ترك منازلهم نهارا.
البراميل تحتوي على سماد وكبريت ومواد متفجرة (الجزيرة نت)

نزوح مؤقت
ويقول أبو علاء -أب لثلاثة أبناء- إن عائلته اعتادت سابقا على الفرار المؤقت من جحيم البراميل إلى السهول المجاورة أو إلى قرى أكثر أمنا، وحينها لم يكن الطيران المروحي يستهدف محافظة درعا إلا في ساعات النهار، لكننا "قررنا عدم النزوح وتسليم أمرنا لله بعد بدء حملات الطيران الليلية".

ويوضح أبو علاء أنه يهرع لإيقاظ أبنائه وإنزالهم للطابق السفلي عند قدوم الطيران الليلي للاحتماء من الشظايا فقط وليس للاحتماء من الموت، "لأن البرميل يدمر المنزل الذي يسقط عليه بالكامل".

ويرى أبو علاء أن حالة الخوف من الطيران ليلا تكون أكبر من النهار، حيث يمكن بالنهار رؤية الطائرة وتحديد مسارها على الأقل وفق حديثه، لكن بالليل "يتعمد الطيران أحيانا التحليق فوق المدنيين لفترات طويلة على ارتفاع منخفض لإثارة الرعب والخوف فقط دون قصف، حيث يكون صوتها أعلى".

يبلغ طول البرميل نحو متر ونصف وقطره نحو خمسين سنتيمترا (الجزيرة نت)

مأساة مضاعفة
بدوره، يقول ضياء ملحم -ممرض بأحد المستشفيات الميدانية- إن حالات الإسعاف التي تأتي بعد إصابتها بالبراميل الليلية "تسيطر عليها حالة من الخوف والهلع، وتكون مصابة بنوع من الصدمة النفسية".

ويضيف محلم أن الإصابات بالغارات الليلية تكون "مرتفعة عادة" لأن الكثير من العائلات تترك منازلها نهارا فرارا من البراميل إلى السهول والمزارع، إضافة إلى أن عملية الإسعاف في الليل تصيب الفرق الطبية بالإرباك في معرفة مكان القصف أولا، ومن ثم تواجه صعوبات في إنقاذ الجرحى وانتشالهم من تحت الأنقاض في ظل انقطاع الكهرباء والاتصالات، وفق قوله.

أما الناطق باسم مركز الشهيد حسام عياش للتوثيق معاوية الزعبي فيعرب عن اعتقاده بأن هدف البراميل الأساسي هو "قتل العدد الأكبر من الناس لإضعاف الحاضنة الشعبية لقوات المعارضة وإثارة البلبلة بين الثوار والمدنيين".

وقال الزعبي إن الليل كان يعتبر فترة راحة بالنسبة للمدنيين في حوران قبل فترة ليست بالطويلة، لكنه بات الآن يحمل في طياته عقوبة مضاعفة لهم في كثير من المناطق الساخنة في المحافظة الجنوبية.

المصدر : الجزيرة