يستمر صراع الإرادات في باكستان عقب تصويت البرلمان برفض مطالب باستقالة رئيس الوزراء نواز شريف، وردت الأحزاب الرافضة للقرار باستقالة أعضائها من البرلمان وتأكيدها أنها لن تسحب جماهيرها المعتصمة إلا إذا تحقق مطلبها باستقالة شريف.

هيثم ناصر-إسلام آباد

تلاحقت الأحداث وتباينت التطورات وردود الأفعال على مدى الأيام الماضية في باكستان عقب تصويت برلمانها الفدرالي مساء الجمعة برفض دعوات إلى استقالة رئيس الوزراء نواز شريف.

وقد عبّر البرلمان عن عدم رضاه عن المطالب غير الدستورية للاعتصام الذي يتقاسم قيادته حزبا حركة الإنصاف بزعامة عمران خان وحزب حركة عوامي باكستان بزعامة طاهر القادري.

وكرد فعل على قرارات البرلمان، تقدم حزب حركة الإنصاف باستقالة جماعية لأعضائه الـ33 من البرلمان كخطوة تصعيدية من الحزب الذي يطالب باستقالة نواز شريف مقابل إنهاء اعتصام أنصاره أمام البرلمان.

ويجسد قرار البرلمان واستقالة أعضاء حزب حركة الإنصاف العزلة التي وصل إليها الحزب بعد رفضه جهود الوساطة من مختلف القوى السياسية، وإصراره على استقالة شريف كضمان لنزاهة تطبيق الإصلاحات التي طالب بها الحزب في عدد من القطاعات ووافقت عليها الحكومة.

ويرى رئيس تكتل حزب الجماعة الإسلامية في البرلمان شاهيب زادا طارق الله في حديثه للجزيرة نت أن حزب حركة الإنصاف تجاوز حدود الاعتراضات السياسية من خلال التصريحات المسيئة للبرلمان والتشكيك في مصداقية هذه المؤسسة، مستندا إلى ادعاءات بالتزوير في بضعة مقاعد، وهو الأمر الذي خلق استياء برلمانيا من جميع الأحزاب.

ويضيف طارق الله أن حزبه المتحالف مع حزب حركة الإنصاف في حكومة إقليم خيبر يحاول التقليل من الخسائر الناتجة عن ما وصفها بالمسرحية التي يقودها عمران خان أمام البرلمان من خلال محاولة إقناع رئيس البرلمان بتأجيل النظر في استقالات نواب حزب حركة الإنصاف وإقناع الحكومة والمعتصمين بتقديم بعض التنازلات من أجل الخروج من الأزمة الحالية.

أكرم دوراني: الاعتصام أساء لصورة باكستان دوليا ونال من هيبة مؤسسات وطنية كالبرلمان والرئاسة والمحكمة العليا

من جهته، يرى أكرم دوراني النائب عن حزب جمعية علماء الإسلام-جناح فضل الرحمن المؤيد للحكومة أن الاعتصام أساء لصورة باكستان دوليا، ونال من هيبة مؤسسات وطنية كالبرلمان والرئاسة والمحكمة العليا.

وقال دوراني إن تصريحات عمران خان وطاهر القادري التي تستخدم الشتائم ووصف السياسيين المنافسين باللصوص والمزورين تجعل من الصعب التعامل مع مطالب الاعتصام، لأن لغة الحوار لدى كل من قادري وعمران خان مفقودة، فهما يظنان أنهما يستطيعان قيادة البلاد بحشد أقل من ثلاثين ألف معتصم أمام البرلمان، وهذا لا يمكن أن يحدث.  

جهود وساطة
وكان حزب عوامي الوطني المعارض -الذي قاد أول مبادرة للوساطة بين الحكومة والمعتصمين- قد عبّر على لسان رئيسه أفتاب شيرباو بأن ما يصعب حل الأزمة هو أن المعتصمين ليست لهم أجندة أو أهداف واضحة، فهدفهم الأول هو الاعتصام ومن ثم كلما اجتمع بهم وفد يسردون عليه قائمة جديدة من المطالب، وهذا ما يعقد عملية التوصل إلى حل.

ويضيف شيرباو أن الغرور ورفض الاعتراف بالفشل عند كل من عمران خان وطاهر القادري ورفضهما تقبل فشل الاعتصام في حشد الملايين التي وعدا بها من الجماهير يدفعهما لمحاولة توظيف وجودهما أمام البرلمان في سبيل تحقيق أي مطالب تعطي الاعتصام صفة النصر، وهذا برأي شيرباو سبب تمسك الاعتصام بمطلب استقالة نواز شريف. 

ويؤكد عبد القادر بلوش وزير شؤون المناطق الحدودية والقبلية بالحكومة الفدرالية وعضو لجنة الحوار مع المعتصمين أنه من غير الممكن أن تستجيب الحكومة لمطالب غير قانونية للمعتصمين، فبحسب الدستور يمكن للمعارضة إسقاط الحكومة من خلال جمع أصوات أعضاء برلمان يحجبون الثقة عنها ولا توجد صيغة أخرى لإقالة رئيس الوزراء، ولو كان الأمر يتحقق بجمع متظاهرين أمام البرلمان لكان من السهل إسقاط جميع الحكومات التي حكمت البلاد من خلال الاعتصام.

وبشأن الحوار يقول بلوش إن الحكومة وافقت على جميع مطالب المعتصمين باستثناء استقالة نواز شريف، كما عرضت الحكومة على عمران خان أن يترأس اللجنة البرلمانية لإصلاحات النظام الانتخابي، ولكن هناك مماطلة وتعنت من جانب حزب حركة الإنصاف، على حد قول بلوش.

زي يعتقد أن استقالة شريف هي نقطة الانطلاق لبناء باكستان جديدة (الجزيرة)

عامل الوقت
أما حزب حركة الإنصاف فقد أكد على لسان شوكت يوسف زي القيادي بالحزب والوزير بحكومة إقليم خيبر أن حزبه لن يتراجع عن مطلبه باستقالة نواز شريف لأنه يعتبرها النقطة الأساسية في بناء باكستان جديدة، والتحقيق في ملف التزوير والتأسيس لنظام ديمقراطي يمنع تكرار التزوير.

ويضيف زي أن حزبه مستعد لتقديم كافة التضحيات من أجل تحقيق هذا الهدف بما في ذلك الاستقالة من جميع البرلمانات، وتصعيد العصيان المدني ضد الحكومة حتى يستقيل شريف.

ويرجح الصحفي المختص بالشؤون السياسية والبرلمانية نواز رضا أن العزلة التي يعيشها حزب حركة الإنصاف بعد تصويت جميع الأحزاب لقرار رفض استقالة رئيس الوزراء والتنديد بمطالب الاعتصام غير القانونية يجعل عمران خان في عيون مؤيديه بطلا يرفض الرضوخ لضغوطات الجميع، وهو ما يدفع البعض للاستماتة في محاولة استمرار الاعتصام لأطول وقت ممكن.

بالمقابل، يردف رضا أن استمرار الاعتصام بهذا الشكل يفتح الباب على شكل جديد من إحراج المعتصمين من خلال تنظيم مظاهرات ووقفات احتجاجية تندد بالاعتصام أمام البرلمان، وهو ما أعلنت عنه عدة أحزاب حتى الآن، وبذلك يصبح حزب الإنصاف مطالبا بالاستماع لأصوات الجماهير التي طلب هو الاحتكام إليها.

ويتوقع رضا أن نهاية أزمة المعتصمين أمام البرلمان مرتبطة بكيفية تعامل الجانبين مع عامل الوقت وأيهما سيصبح مرور مزيد من الوقت يشكل عبئا أكبر عليه، وهو الأمر الذي سيقود إلى تقديم تنازلات جديدة توفر غطاء لإنهاء الاعتصام.

المصدر : الجزيرة