تتساءل المعارضة الإسلامية بالأردن عن وجود "إملاءات خارجية" وراء التعديلات الدستورية التي أقرها البرلمان ومنحت الملك صلاحيات تعيين قادة الجيش والمخابرات، بينما يراها فقهاء دستوريون نسفا لمبادئ الدستور، أما مؤيدوها فاعتبروها خطوة إصلاحية تبعد المؤسستين عن تجاذبات السياسيين.

الجزيرة نت-عمان

أقر مجلس النواب الأردني مساء الأحد تعديلات دستورية تمنح الملك عبد الله الثاني صلاحيات جديدة، تتعلق بتعيين وإقالة قادة الجيش والمخابرات.

ومرت التعديلات المثيرة للجدل دون عناء، بعدما صوت لصالحها 118 نائبا من أصل 129 حضروا الجلسة، التي استمرت حتى ساعة متأخرة، بينما امتنع عن التصويت ثلاثة نواب، ورفض ثمانية التصويت، وتغيب عن الجلسة 21 نائبا، حيث يبلغ عدد أعضاء المجلس 150 نائبا.

وشهدت الجلسة قبيل التصويت جدلا واسعا بين غالبية أعلنت تأييد منح الملك هذه الصلاحيات الدستورية الجديدة، وأقلية دفعت بقوة لعدم إقرارها كونها ستؤدي لخلل بالنظام السياسي للمملكة، وفق ما جاء في مداخلات نواب.

ووصف رئيس مجلس النواب عاطف الطراونة إقرار التعديلات بصيغتها الحالية بأنها "إنجاز إصلاحي".

وقال إنها "تأتي في سياق الرؤية الملكية الجادة نحو اعتماد حكومات منتخبة، لكن هذه الحكومات يجب ألا تخضع المؤسسات السيادية لتجاذباتها وأجنداتها السياسية، ويجب أن يتم تحييد هذه المؤسسات وإبقاؤها في عهدة الملك".

التعديلات تعزز صلاحيات الملك في وقت تطالب المعارضة بتقليصها (الأوروبية)

خارج المسؤولية
وقال النائب علي السنيد في مداخلة قبيل التصويت "المطلوب أن يبقى الملك خارج إطار المسؤولية، والتعديلات الحالية تدفعه أن يكون مساءلا أمام الشعب، كما أنها تخل بطبيعة النظام السياسي للبلاد".

وأضاف السنيد "على البرلمان أن يرد التعديلات حفاظا على الدستور في بيت الدستور".

وأيده أيضا النائب بسام المناصير الذي قال بمداخلة طويلة "يساورني قلق على وطني ونظامه السياسي، وعلى مسيرة الإصلاح التي نادى بها الملك في كل خطاباته السابقة وأوراقه التي طرحها للنقاش".

وتابع المناصير "لا شك أننا نقف أمام قرارات صعبة، ولا شك أيضا أن ثمة رغبة عليا لإنجاز التعديلات بصيغتها الحالية (..) لا أريد الظهور وكأنني رجل مناكف، فالكل يعلم أن الملك هو من يعين قادة الجيش والمخابرات سواء نسبت الحكومة بذلك أم لا (..) أعرف أن أحدا لن يقتنع بما أقول، لكن ينبغي إبعاد الملك عن هذه التعديلات".

وعلى جبهة المؤيدين لمنح الملك صلاحيات جديدة، قال النائب عبد الهادي المجالي "إن الأردنيين لن يسمحوا للأحزاب التدخل بالأجهزة الأمنية والجيش" في إشارة لأي حكومة برلمانية قادمة قد تخضع لسيطرة كيانات وقوى سياسية.

واعتبر المجالي -الذي ترأس البرلمان دورات عدة- أن ارتباط القادة الأمنيين والعسكريين بالملك "يمثل عامل استقرار في ظل الاضطرابات التي يشهدها الإقليم".

مخاوف العرش
وكان الحديث عن تعديلات، تمنح الملك عبد الله صلاحية تعيين قادة الجيش والمخابرات مباشرة ودون تنسيب كان مراقبون يرونه "شكليا" من الحكومة، قد أثار جدلا بشأن ما إذا كانت هذه الخطوة تعبر عن خوف لدى مؤسسة العرش في حال وصل إلى سد الحكومة رئيس وزراء تنتخبه الأغلبية النيابية بدلا من أن يعينه الملك.

ووفق مصادر سياسية مقربة من الديوان الملكي، فإن الحكومة لم تكن تعتزم تقديم هذه التعديلات إلى البرلمان لولا أن الملك طلب ذلك.

وكانت مصادر نيابية أكدت للجزيرة نت أن جهات رسمية اتصلت بالنواب، وضغطت عليهم باتجاه تمرير التعديلات.

وسبق هذه الضغوط لقاءات جمعت الملك عبد الله بكتل نيابية لدفعها أيضا نحو إقرار هذه التعديلات.

وفي أول رد من المعارضة على إقرار التعديلات، قال زكي بني ارشيد نائب المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين للجزيرة نت إن "الصلاحيات الجديدة للملك جاءت دون مقدمات منطقية وأسباب موجبة ومقنعة".

بني ارشيد: لا ندري إن كان سبب التعديلات محليا أم إملاءً خارجيا؟ (الجزيرة نت)

استحقاق أم إملاء؟
وأضاف بني ارشيد "لم نكن بحاجة إلى هذه التعديلات التي تجعل السؤال عن سبب تقديمها أمرا مطروحا، وما إذا كان السبب استحقاقا محليا أو إملاءً خارجيا؟".

واعتبر أن التعديلات المذكورة "من شأنها أن تعزز حكم الفرد، وتضيف لأزمات الأردن أزمة جديدة".

وكان فقهاء دستوريون قد رأوا بالتعديلات المقرة "عبثا وانقلابا على الدستور" ومن هؤلاء مبارك أبو يامين الذي قال للجزيرة نت "عندما يمارس الملك سلطاته بشكل مباشر فإن ذلك يتطلب إخضاعه للمساءلة بشكل مباشر أيضا، وهو ما يخالف أحكام الدستور التي تنص على أن رأس الدولة معفى من كل تبعة ومسؤولية".

واعتبر أبو يامين أن التعديلات بشكلها النهائي تعتبر "تراجعا كبيرا عن الإصلاح، ونسفا تاما لمبادئ راسخة بالدستور".

يُذكر أن التعديلات المقترحة جاءت بعد ثلاثة أعوام من إجراء تعديل واسع على الدستور على وقع الربيع العربي، وشمل هذا التعديل 42 مادة، لكنه لم يمس صلاحيات الملك في تعيين الحكومات وإقالتها وحل البرلمان.

المصدر : الجزيرة